الزواج الناجح... صدفه أم حظ ؟!!
2010-10-08 14:55:36
المقال للكاتب والمحلل السياسي والصحفي قاسم محمد عثمان
هناك أساطير رائجة عن أن الزواج الناجح شيء قدري, ينتج عن التوفيق الذي يصاحب طرفيه منذ اللحظة الأولى, لكن الواقع يقول إن 99% من النجاح ينتج عن كد وجهد متواصلين.ومن هنا محاولات فهم طبيعة الجهود المفروض بذلها لتقوية العلاقة بين الزوجين.

في ظل البرنامج القيمي المحدد: (تحطيه يا بنتي في عينيك, وتسمع يكلامه, ربنا يبارك لكما... إلخ), الذي كان ينتقل إلى البنت عن الأم عن الجدة.. كانما هو مطلوب من الزوج والزوجة لحنا معروفا شائعا يسهل على أي اثنين عزفه فوراللقاء.

لكن الدنيا تغيرت, وإلى جوار هذا البرنامج المتوارث صارت تشارك في صنع تصورات الأزواج (برامج تربوية) كثيرة يصل تنوع عناصرها إلى حد التنافر, ويستقي المرء بعضها من حياة أسرته وحياة الأسر المحيطة, وبعضها من الأعمال الفنية الكثيرة التي يطالعها, وبعضها من علاقاته العامة في المدرسة والجامعة والشارع والعمل.. ذلك بينما ينحصر نصيب المؤسسات التربوية والتعليمية المعنية في أقل القليل, إن كان لهذه المؤسسات وجود من الأصل.

تزايدت الخلافات

ومع تعدد البرامج التربوية,ومع كثرة وتنوع الألحان, غاب النموذج العام للأسرة, وتزايدت صعوبة العزف المشترك,فدبت الخلافات في مختلف جوانب الحياة الزوجية:

هي تحب اقتناء الكتب, وهويصاب بالأرتكاريا من وجودها - الكتب - في البيت.

هو يحب متابعة أخبارومباريات كرة القدم ليل نهار. وهي ترى الأمر جنونا يستحق استشارة الطبيب.

هويحب النوم مبكرا والاستيقاظ مع صياح الديك, وهي لا يستقيم برنامج يومها إلابالتجوال بين بضع مسلسلات وبضعة أفلام على الفيديو كل ليلة حتى لا تفوتهاشاردة.

هو يتطلب عمله الهدوء وربما الانقطاع فترات عن الناس. وهي في حالة حضور مسرحي دائم, تحب العشرة والضيافة والزيارات والأداء الجهير.

هو يحبالطعام المسبك. وهي لا تحب سوى المسلوق, ويا ويل من لا يمتدح صنعة يدها.

هي تحس بالإنهاك وأقصى ما تحلم به أن تغمض عينيها وتستريح حتى تستطيع الاستيقاظ مبكرًاللحاق بعملها. أما هو فباله مشغول بالعلاقة العاطفية التي لا يشبع منها, وينظرإليها على أنها مقطوعية لا يكتمل برنامج اليوم من دونها.

وليت الأمر يقف عندهذه الحدود التي تصلح ملحا, أو حتى توابل تفتح الشهية للإقبال على الحياة,فالخلافات تمتد مع الأسف إلى ما هو أبعد تأثيرًا:

هو يرى تعويد الطفلالمسئولية والانضباط منذ الصغر. وهي ترى ذلك قسوة وفظاظة من جنس لا يعرف الحنان.

هو يرى تعليم الطفل السباحة مع الشهور الأولى. وهي ترى أن الغيرةبلغت بالرجل حدا دفعه إلى محاولة خنق البرعم الجديد في مهده.

هكذا ونتيجةللبرامج التربوية الكثيرة تعددت وتداخلت وتباعدت التصورات الخاصة, وأصبح لا مفر منوقوع الخلافات عند اللقاء.

ولأن وضعا مثل هذا يتطلب حلا. ولأننا في عصر لقيت أنشطة مثل الزار والسحر والشبشبة ما يليق بها من مصير, كان لابد أن يدلي العلم بدلوه, بالذات بعد أن شرعوا في دراسة مشاكل شبيهة تخص توافق أفراد أطقم رحلات الفضاء الطويلة (يقضي بضعة ملاحين شهورا يعملون معا على نحو لصيق في ظروف صعبة بعيدا عن العالم), والتوافق في مجالات التوجيه المهني المختلفة, وحتى التوافق بينالمرضى النفسيين.

ولأن العلم يهتم بإقامة ما يشيده على أسس سليمة, انكبالعلماء بما هو معروف عنهم من منطق صارم على تحديد منابع الوفاق والخلاف.

إن التقارب بين الناس ينشأ من خلال التعامل والتعاون والأخذ والعطاء, وتكرارالانفعالات السارة التي يحسها كل من طرفي العلاقة نتيجة سلوك الآخر وكلماتهوأفعاله. ومع التقارب تبزغ بذور عاطفة الحب, وتأخذ في النمو من خلال شعور كل منطرفيها بالارتياح للآخر, وتتدعم هذه العاطفة مع تراث الارتياح وتراكم الانفعالاتالسارة بين فردين متوافقين. والتوافق لا يعني التماثل أو الاتفاق التام, لأن لكلواحد منا شخصية متفردة لابد أن تتباين في عدد من توجهاتها وملامحها.

وحتىنوضح كيف فكر الباحثون في التوافق لا بأس من مثال بسيط.

إذا افترضنا أنناأمام سؤال: من يشتري احتياجات الأسرة من السوق.. الزوج أم الزوجة? لوجدنا أنفسناأمام إجابتين, الأولى تلتزم منطقا: لأن هذا عمل بدني ثقيل ومجاله خارج المنزل فهوواجب الرجل.. بينما تلتزم الثانية منطقا: هذا أمر يدخل ضمن مملكة البيت, كل شئونهامن اختصاص الملكة, ولهذا لا دخل للرجل بمثل هذا الأمر.

والتفكير المنطقي يقود إلى أن خلافا لا يمكن أن يحدث بين الزوج والزوجة إذا كانا معًا من أنصار الرأيالأول, أو من أنصار الرأي الثاني, لكن الخلاف يبدأ عندما يُشرع كل منهما بصره فياتجاه مخالف, حتى إذا رأت الملكة أن تتحمل عبء شراء الاحتياجات, ورأى زوجها أن يضحيهو ويفعل.

المهم أن العلماء خرجوا من التفكير على هذا النحو بنتيجة منطقيةمؤداها: حتى يكون الزواج راسخا يجب أن يكون الشريكان متوافقين في منطق معالجتهمالما يواجهان من مهام ومشكلات.

وهكذا مضى العلم في ممارسة جهوده التشريحيةالتوصيفية للعوامل المختلفة المفروض البحث عن توافقها بين الأزواج, ليصنفها في النهاية بين مجالات مادية, وثقافية, ونفسية, ومظهرية, وبدنية, و... يجب أن يسعىالزوجان إلى التأكد من التوافق فيها ابتداء, أو أن يعملا على تحقيق التوافق فيها بعد الزواج.

الإنسان ليس مجموع نثرياته

ولعله من المناسب الإشارة في البداية إلى ما شاب بعض التصورات (العلمية) التي شاعت من أخطاء وأخطار.. في بعض الحالات شَرَح المنطق التفصيصي الإنسان (بين عوامل المجالات: مادية, وثقافية,ونفسية, ومظهرية, وبدنية, و...), ووصّف ما استطاع أن يصنفه من عوامل جزئية, ثم جمعالنثريات التي وصفها, وعامل الإنسان على أنه حاصلها, ذلك رغم أن الإنسان أكبر بكثيرمن مجموع أجزائه, حتى لو تيسرت معرفة كل هذه الأجزاء.

فليس معنى معرفتنا مثلا أن جسد أحد الكائنات الحية يحتوي على عشرين كيلوجراما من المياه, وخمسة كيلوجرامات كربون, ونصف كيلوجرام حديد, و... ليس معنى معرفتنا هذه التفاصيل أنت جميعها يوصلنا إلى الكائن المعني, لأن هناك شيئا معجزًا آخر سيظل غائبا عن عجينتنا, مهما سلم تكوينها. وإذا كان ذلك يسري حتى على الجماد - خصائص أي سبيكة معدنية تختلف تماما عن خصائص عناصرها - فما بالنا بالكيان الحي الأرقى النابض بفتافيت الحس والعواطف والانفعالات والإرادة?!

كما أن المنطق التصنيفي الجامد يمكن أن يتجاهل أن الإنسان الطبيعي يعيش على مدار الساعة الواحدة - لا علىمدار العمر - عدة شخوص دون أن يكون بالضرورة ممثلا أو بهلوانا.. فالأم حين تستيقظفي الصباح لتساعد أطفالها في الذهاب إلى المدرسة تمارس دور الوالد المسئول, لكنهاقد تتحول ما إن تودعهم, وخلال لحظات, إلى (طفل معتمد) يتكئ على كتف الزوج العطوف,وما هي إلا دقائق بعد ذلك حتى تشد رحالها, لتتعامل معاملة الند, مع غيرها من اليافعين, خلال رحلة العمل, والأم في ذلك كله امرأة طبيعية جدًا, وعاقلة جدًا, وعلىسجيتها جدا من دون تعالم, لأن مرشدها فيما تفعله خلاصة علمية موثوقة قطرتها الخبرةالإنسانية الثرية الرحبة المديدة.

والمبالغة في التشريح والتجزيء والتصنيف ووضع الحواجز التي تصنع اللاتوافق, ربما أنستنا أن حلول المشكلات ربما كمنت في مجرد أن يفهم المرء أنه لا مانع أن يكون الرجل أبا لزوجته في لحظة, وطفلا لها في أخرى,وشريكا على قدم المساواة في ثالثة.. وأن يفهم ضرورة مجاهدة النفس, بعيدا عنالرومانسية, في ممارسة ذلك كله.

بعيدًا عن الاستبداد

لقد تسلحت الدراسات بمستحدثات مختلفة مثل الاعتماد على ملاحظة الزيجات الناجحة (بدلا منالزيجات الغارقة في المشاكل), لأن خبرات الناجحين هي حقيقة ما نحتاج اليه في علاجمشاكل الأسرة, ومثل الإمكانات الحديثة التي أتاحها التصوير بالفيديو وبالتالي إمكاناستعادة الانفعالات المختلفة في المواقف المختلفة ودراستها على نحو أوفى. بالذاتحين يتم تسجيلها مع مجموعة من القياسات الفسيولوجية (الكهربية العصبية, وإفرازالعرق, و..), ومع وجود أبجديات أو شفرات لقراءة انفعالات الوجه, مما يسهل فيالنهاية دراسة الاستجابات الانفعالية والتدفق الانفعالي في هذا الموقف أوذاك.

وقد أكدت هذه الدراسات أنه لم يعد هناك مجال لأن يمارس الرجل دور (سي السيد) في المنزل. رغم أن كل الزوجات تقريبا مستعدات للخضوع أو قبول نفوذ أزواجهن,إذا عدل الرجل من توجه سي السيد إياه, وقد يكون ما هو مطلوب يسيرًا كأن يلتفت عنمشاهدة مباراة كرة القدم حين تكون زوجه راغبة في الحديث معه, فهي تود أن تحس بأنزوجها يفكر بصيغة (نحن نريد ونحن نرى) لا بصيغة (أنا أريد وأرى و...).

ومنبين الاكتشافات غير المتوقعة أن الغضب ليس أكثر العواطف تدميرًا في العلاقةالزوجية, فالزوجان السعيدان والتعيسان يتشاحنان, لكن الانتقاد الدائم, والتحقير,واستخدام الحيل الدفاعية, والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي, هي أكثر أعداءالحياة الزوجية. وقد ظهر أن أفضل طريقة لتجنب الآثار المدمرة لما سبق هي أن يعي الزوج أحلام زوجته ومخاوفها. وكل الأسر السعيدة يتميز الزوج فيها بفهم عميق لنفسيةزوجته بما يمكن من انسياب التصرفات والمشاعر دون حدوث اختناقات عاطفية معوقة. وتشكل الصداقة بين الزوجين أهم عوامل الرضاء الزوجي, إذا نحينا العلاقة الجنسية جانبًا -رغم أهميتها البالغة - لأنها خارج نطاق هذه العجالة.

كما تأكد أن الأزواج السعداء يتحلون, في نزاعاتهم, بمحاولات متجددة لرأب الصدع, والابتعاد عن السلبيةالتي يمكن أن تقود لإفلات الأمر من أيديهم, وأن الدعابة كثيرًا ما تساعد في إنجاح محاولاتهم, وأن بمقدورهم التعامل مع النزاعات المتجددة والدائمة - التي تهدد باختناق العلاقة - بطريقة تفرق بين الخلافات الأساسية والثانوية.. فعلى سبيل المثال, تشكو الزوجة من الجرائد والأوراق والكتب المبعثرة التي تشوه منظر البيت,والزوج يعجز عن تلبية متطلباتها في هذا الصدد. وبدلا من تأزيم الموقف يقرران معالزمن أن المشكلة تنتمي إلى مجال التباينات الثانوية, التي تتطلب التحلي بالمرونةفي التعامل معها, لأنها أصغر من أن تكون سببا يعكر صفو ما بينهما, ولأن هذا الموقفيقوي من زواجهما.

ولا بأس هنا من مجموعة من النصائح التي - أكدت الخبرات -يمكن أن تجنب الزواج العثرات وتساهم في نجاحه:

ضرورة النظرة الناضجة إلىالزوج - بعيدا عن الصور المثالية التي نحلم بها - على أنه شخصية واقعية لها مزاياها وعيوبها, وعند تعذر تغيير هذه العيوب يمكن التعايش معها وقبولها كجزء من مقومات الشريك الذي ارتضيناه ككل متكامل. وليس هناك ما هو أخطر على الحياة النفسيةللمتزوجين من العيش في عالم سحري من التهاويل البراقة والأحلام الخادعة, بل وخداعالذات, حتى بصورة لاشعورية, فيما يخص طبيعة الزوج والحياة الزوجية بوجه عام, والخلطبينها وبين (المغامرة الغرامية), لأن ذلك يصعب من عملية التكيف مع الحقيقة وقديجعلها متعذرة.

يجب اتباع استراتيجية الإشادة بنصف الكوب المليء دوما. فكلعلاقة في الحياة يكون فيها ما هو إيجابي (نصف الكوب المليء) وما هو سلبي أو ماتفتقده العلاقة (نصف الكوب الفارغ) والتركيز على ما هو إيجابي يدعم العلاقة ويزيدمن إيجابيتها, حتى بمجرد الحركة بالقصور الذاتي. أما الشكوى المستمرة والنعيب حولما ينقص العلاقة فإنه يوقع بها أوخم الأضرار.

يجب فهم ما في العلاقة منضرورات تكيف وضرورات صراع والعمل دوما على تغليب ضرورات التكيف باتجاه المقبول منسلوك الشريك, وطبعا فإن الأسرة الذكية هي التي تسعى لا إلى اللقاء في نقطة وسط أوفي منتصف الطريق كما هو شائع, بل إلى التكيف باتجاه السلوك الصحيح - بصرف النظر عمن يبدو كاسبا أو خاسرا من طرفيها, ومن الضروري فعل ذلك برغبة حقيقية في التعاون المتبادل والتفاهم المشترك لصالح كيان الأسرة.

والأفضل أن يبدأ الزوجان الجيدان حياتهما على أنهما عالمان مختلفان تماما يسعيان إلى الوفاق, بدلا من أنيبدآ على أنهما ينتميان إلى عالم واحد متوافق تمامًا, يعرف كل منهما كل شيء عنالآخر. لأن البداية الأولى تجعلهما أقرب نفسيا إلى التصور الصحيح, وبالتالي إلى النهوض بأعبائه.

ليس هناك ما هو أفعل من اللباقة واختيار الكلمة المناسبة فيالوقت المناسب في تحقيق السعادة الزوجية, إنها السحر الذي يمكّن من الوصول إلى أعماق الشريك في كل لحظة, لأنها تضمن للزوجين الصفاء والسكينة وراحةالبال.

الغياب القصير أو ما يمكن أن نطلق عليه (الإجازات الأسرية) مما يقوي الرابطة الزوجية, لأنه يبعد التوتر والاحتكاك الدائم, ويبرز مزايا العيش المشتركالتي تعود الطرفان تناسيها عند وجودهما معا, كما يخفف من حدة الملل, ويجدد الشوق والحب بين الطرفين, ولكل ذلك تأثير في تحجيم أوجه التباين أو عدم التوافقالثانوية.

الحذر من النقد اللاذع المتواصل, والتحقير, واستخدام الحيل الدفاعية, والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي.

تبقى إشارة إلى ضرورة وجود المؤسسات التي تقدم العون والنصيحة للراغبين في حل مشاكلهم الأسرية. وهي ليست مؤسسات علاجية بالضرورة, لأن كل ما سبق ينتمي إلى مجال حل مشاكل التواصلالاعتيادية, وإن فضلت بعض المجتمعات إطلاق مسميات علاجية عليها: (علاج تقبل الآخر), (علاج تعديل السلوك), (العلاج الزوجي), و..., جريا وراء أغراض تجارية. غير أن المؤسسات العلاجية حقا يجب أن تبقى كملاذ أخير للحالات التي يصل التوافق فيها إلىحدود الاستعصاء.
 


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق