أبو حسن بدر أبو حجول ووفاء الرجال للرجال
2011-04-16 16:30:41

ربما يواجه الواحد منا صعوبات في طريق حياته والانسان ما هو الا محطات ومواقف لكن اصعب موقف هو ان تتحدث عن قريب منك  وفي هذه المحطة والزيارات الخاصة التي قررت توثيقها في تقارير صحفية تلاقي تقدير الاهل في المدينة ليس لشيء بل لانها حقبة من تاريخنا  الذي يلزمنا كتابته ونقله من جيل إلى جيل لان الشعوب التي لا تملك ماضيا لا تملك حاضرا ومستقبلا وزيارتي هذا الاسبوع كانت للعم ولا ابالغ اذا قلت للوالد أبو حسن بدر أبو حجول والذي ولد قبل 82 سنة في الحارة الشرقية كما كانوا يسمونها فقد جمعته بوالدي رحمه الله سنوات من الوفاء وسنوات من الاخلاص بين الرجال نحو الرجال والذي بدأ حديثه قائلا : ولدت في الحارة الشرقية لوالدي المرحوم حسن أبو حجول والذي كان يعمل في الحراثة في اراضي البلد فكانت شفاعمرو في تلك السنوات عبارة عن حارات منها الحارة الشرقية وحارة الهوارة وحارة العنزية  وحارة القلعة والزقاق وكانت الطائفة المسيحية هي الطائفة الكبيرة  عددا في تلك الفترة ثم كانت الطائفة الاسلامية والطائفة الدرزية  وانا اتحدث عن سنوات الثلاثين حتى الاحتلال  وكان رئيس البلدية أبو الياس جبور رحمه الله فكان الناس يعيشون في امان فكان المسلم يعمل لدى الدرزي وعند المسيحي وكأن الجميع اهل  وكان الفلاح الدرزي على سبيل المثال يطعم من خيرات ارضه كل من حوله من باقي الطوائف 
لولا بعض الشخصيات الشفاعمرية لكانت شفاعمرو بلدة يهودية

في حديثنا الذي طال وصلنا إلى عام 1948 ونكبة الشعب الفلسطيني في هذه الديار فقال العم أبو حسن: كنت من العمر في ذلك التاريخ ابن العشرين فكان الناس من كل الطوائف متماسكين فخرج الناس من الخوف والتهديد سوية لخارج حدود الوطن فكنت من الذين تركوا وهُجروا مع والدي ووصلنا إلى مدينة"بعلبك" في لبنان والغالبية الساحقة من اهل البلد خرجت   في هذه الظروف الصعبة  فكانت "الدعاية"قوية بان اليهود الداخلين إلى المدينة سيأخذون الشباب لقتلهم  فخافت الناس وخرجت من بيوتها ولم تكن هناك مقاومة وبقيت في "بعلبك"8 اشهر وعاد والدي قبلي إلى البلد من اجل تفحص الأوضاع ثم عدت بعد هذه الفترة وبدأت الناس في العودة بدعم وتدخل العديد من الشخصيات الشفاعمرية في ذلك الوقت وهذه الصور راسخة في ذهني واذكر بأنه لم يبق في شفاعمرو مع حلول النكبة والحوادث الا 43 نفرا وهناك من الطائفة الدرزية من وصلوا إلى سوريا والى القرى الدرزية في الجليل واذكر بان المرحومين الشيخ صالح خنيفس والشيخ أبو نايف حسين عليان عملوا على ارجاع عائلات درزية اولا حتى الذين وصلوا إلى سوريا تم اعادتهم وحصلوا على "الهويات" واستقروا في بيوتهم ثم تم اعادة عائلات اسلامية ومسيحية بتدخل الزعامة المحلية امثال الشيخ صالح و أبو نايف وابو كارلوس ولويس ونكد ومن كان له علاقات ساهم في ارجاع الناس إلى البلد ولولا هؤلاء الشخصيات لما عاد المهجرون إلى وطنهم وبقيت بلدهم بلد مهجرة بل ان اليهود كانوا سيقومون بهدمها واقول أكثر من ذلك لولا هذه الشخصيات لكانت شفاعمرو اليوم بلدة يهودية . 


العم أبو حسن والمعروف بصدق لسانه وشاهدا على تلك الفترة قال عند عودتي من لبنان بتاريخ 11/12/1950 سبق هذا التاريخ بعام عندما عدت إلى البلاد فامسكتني الشرطة بدون هوية فابعدوني نحو الضفة الغربية أي إلى الاردن ومن هناك توجهت ثانية إلى لبنان حيث كان يعمل والدي حسن أبو حجول حراثا لدى المرحوم الشيخ صالح وعندما عدت إلى البلاد اعلم والدي الشيخ صالح عن الموضوع ونتيجة هذا التدخل اصدرت لي هوية وبتاريخ 12/12/1950 بدأت اعمل لدى الشيخ صالح خنيفس وتوكلت بكافة اعماله حيث كان الشيخ عضوا في الكنيست ويحتاج لمن يرعى اعماله لتشمل الاهتمام بالضيوف والاراضي والمواشي وهكذا بقيت احمل الامانة 11 عاما وانهيت عملي بتاريخ 2/2/1962 .
 
خيول وفد جبل العرب في "باب الحواصل" 

محطة لا يمكن العبور عنها بتلك السهولة ففي عام 1939 قتل عدد من المشايخ الدروز كان بينهم المرحوم حسن خنيفس والد الشيخ صالح خنيفس وقد اثارت هذه الحادثة استياء عارم في المنطقة حيث اتهمت بعض الجهات بحادث القتل مما دفع بالشيخ صالح خنيفس والذي كان يتلقى في تلك الفترة تعاليمه الدينية في خلوات البياضة- العودة إلى بلده لتتوالى الاحداث ووصلت القضية في تطوراتها للمغفور له سلطان باشا الاطراش والذي كلف وفدا لاصلاح ذات البين فجرت الصلحة التاريخية سامح فيها الشيخ صالح بدية والده اكراما لوفد سلطان الاطرش وحفاظا على السلم الاهلي في ذلك الوقت وعن ذلك يقول العم أبو حسن بدر أبو حجول:وانا اعمل في سنوات الخمسين لدى الشيخ صالح كان يقدم المساعدة للمسلمين المتهمين بقتل والده ومنهم من البدو واذكر منهم المرحوم"دحيل" ولم يفرق بين انسان واخر فقد عرف هذا الرجل كيف يأخذ حقه وعرف كيف يسامح في نفس الوقت وأضاف: كل شخص قصده لقضية أو مشكلة في ذلك الوقت لم ينظر إلى طائفته وجنسه فكان يسرع لمساعدته بل كان يضع من جيبه مالا من اجل الاخرين وعندما سألته اذا كان يذكر شيئا عن الصلح الذي تم في حينه قال اذكر بان وفدا من جبل الدروز وصل إلى شفاعمرو برئاسة عبد الغفار باشا الاطرش وكان معه مجموعة من الشخصيات واذكربانهم كانوا على الخيل في "باب الحواصل" ولا اذكر مكان الصلحة بالتحديد  كنت في ذلك الوقت صغير السن واذكر عندما قالوا بان ابن المرحوم حسن خنيفس سامح بدية والده وهكذا تم الصلح 

الحصول على "الهوية" والافراج عن الأهالي المعتقلين 

ان يخرج الانسان من وطنه وبيته في ذلك الوقت ومع حلول النكبة ليعود باذن  أو اعتقال هي من اصعب الظروف التي كانت تمر على اهالي هذه البلاد الاصليين والحصول على

"الهوية "لإسرائيلية في مكاتب الداخلية في حيفا والناصرة وعكا من اجل التجول والبقاء  لم تكن عملية سهلة وعن ذلك قال العم أبو حسن بدر أبو حجول: لا يمكن ان ينسى احد ما قامت به بعض الشخصيات في هذه البلدة ومنهم المرحوم الشيخ صالح عندما سعى على منح العديد من العائلات "الهويات" خاصة من أبناء الطائفة الاسلامية وانا شخصيا  قال أبو حسن كنت واسطة للعشرات من العائلات والكثير من هؤلاء والاسماء معروفة ومحفوظة اعتقلت وحبست لعدم وجود هويات معها حيث خرج هؤلاء من السجون والمعتقلات بعد ان عملت هذه الشخصيات على اصدار "هويات" والافراج عنهم في وقت لاحق وانا شخصيا كنت ازور بعض هذه الشخصيات في السجون لاطمئنهم بأن الشيخ صالح يعمل على اخراجهم من اعتقالهم واصدار "الهويات" لهم وهناك من كان يتخفى خوفا من الاعتقال وهناك من كان مسجونا هكذا كان الحال في ذلك الوقت وأضاف:اهم شيء استطيع ان اقوله بعد هذه السنين وبضمير مرتاح بان الارض ومصالح الناس وهمومها كانت الشاغل الاساسي في حياة المرحوم الشيخ صالح خنيفس.


"كيبوتس رمات يوحنان" واراضي "أبو نجا وهوشة والكساير"

العم أبو حسن بدر أبو حجول واثناء مرافقته وعمله بجانب المرحوم الشيخ صالح خنيفس عرف عن الاخير كم هي هموم الناس ومشاكلهم وخاصة قضية الأراضي هامة بالنسبة له وتذكر عندما قام"كيبوتس رمات يوحنان" في وضع سياج منطقة "أبو نجا "و"هوشة" و"الكساير" وكل القسائم في تلك المنطقة والتي كانت تعتبر مراع ٍ  لاهالي شفاعمرو  حيث حضر  "الطراشة" أي رعيان المواشي إلى بيت الشيخ صالح واخبروه بان "كيبوتس رمات يوحنان"قاموا بتشريط الأراضي  ليغلقوا المراعي عن الأهالي وطلب هؤلاء المساعدة واذكر جيدا كيف توجه الشيخ صالح إلى الحاكم العسكري والشرطة وأكد لهم بان هذه الأراضي تابعة لاهالي شفاعمرو ولا يمكن "تشريطها" فيما أكد رجال "الكيبوتس" بان هذه الأراضي لهم وحصلوا عليها من دائرة الزراعة واراضي إسرائيل وحصلت في ذلك الوقت ردود فعل وضجة كبيرة والحديث يجري عن عام 1957 لكن اليهود اصروا  على موقفهم وهم يريدون الارض وهنا جمع الشيخ صالح الفلاحين واعلمهم بلن "الكيبوتس" مصر على موقفه ويواصلون العمل في الأراضي فقال للحضور:

اذهبوا إلى هذه الأراضي  وانزعوا السياج من مكانه واعيدوا الامور كما كانت وهكذا كان في نهاية الامر وفي تسلسل للاحداث وصلت هذه القضية إلى المحكمة في تل –ابيب واذكر بان شخصا يدعى "نتان" من "كيبوتس رمات يوحنان" التقيت معه في اليوم الثاني لازالة الشريط وعندما شاهدني في المنطقة اقترب مني هذا الشخص وقال لي:ماذا يريد الشيخ صالح من هذه الأراضي ؟فما رأيك ان تقترح على معلمك ان يتنازل عن هذا الموضوع ويترك الناس مقابل ان نسمح لبقراته ومواشيه دخول هذه الأراضي لترعى وأضاف: عدت إلى البيت واخبرت الشيخ صالح بان "الكيبوتس" يعمل في الأراضي واطلعته على اقتراح"نتان" بترك الناس والفلاحين مقابل ادخال المواشي إلى منطقة المراعي التي سيطر عليها "الكيبوتس" فكان جواب الشيخ صالح لي شخصيا على الفور: ليصاب البقر بمرض "الهدلان" وهذا المرض فتاك كانت تصاب به المواشي في تلك الفترة ويموت كل القطيع ولا ارسل بقري إلى هذا المكان فغدا سأموت فماذا سيقول عني الناس باع البلد من اجل بقراته؟؟! ولسوف احصل الارض رغما عن "نتان" وغيره وبعد هذه الفترة ذهب إلى المحكمة رئيس البلدية انذاك   و"جبور الحلاق" رئيس البلدية والشيخ صالح كما وحضر الجلسة الحاكم العسكري في الناصرة وممثلين عن دائرة اراضي إسرائيل ودائرة الانشاء والتعمير  والشرطة وفي نهاية المطاف تم تثبيت الارض لاهالي شفاعمرو وتذكر أبو حسن بدر أبو حجول عندما قام احد المسؤولين بفتح الخارطة  امام وفد شفاعمرو وحرص هذا المسؤول ان يضعها امامهم بالمقلوب محاولا تغليطهم وغشهم .

"زعامة" الماضي كانت لخدمة الناس واليوم "الزعامة" لمصالح شخصية
العم أبو حسن اسهب في حديثه حين قال بان زعامة اليوم تلهث وراء المصالح الشخصية اما في الماضي فقد كانت الزعامة تحمل اسمها فهؤلاء كانوا يتسابقون على خدمة الناس ورفع الظلم والتضحيات ليل نهار والفرق شاسع بين زعامة الماضي وزعامة الحاضر وقال الزعامة اليوم فارغة من مضمونها واكثر من ذلك اعتبرهم اولاد لا يعملون شيء الا اذا كانت  هناك مصالح شخصية  وذا كنت اذكر حادثة من الماضي عندما طلبت ان يساعدني الشيخ صالح في ضمان اراضي  في المنطقة من اجل اعالة عائلتي قال لي المرحوم: لا يمكن ان يكون هناك مصالح شخصية وزعامة في ان واحد وفي احدى المرات اعلمته باني اريد احضار سلات تين من منطقة "سعسع"  فتنبه إلى شيء لم يخطر ببالي عندما قال لي: كيف تريد منا ان نأكل من ثمار الاخرين وهم خارج قراهم وقد تركوها في احداث الاحتلال في هذه البلاد .

تحدثنا عن قضايا كثيرة ومواقف تبقى في الذاكرة وعندما هممت في الوقوف لوداع العم أبو حسن شاهدت صور الاباء والاجداد معلقة على جدران الغرفة وذلك المرحوم عبد الهادي ياسين الذي كان من الشخصيات البارزة في تاريخ شفاعمرو والمنطقة وصورة للعم أبو عمر سعيد خطيب صاحب الايادي الخضراء في بناء المجتمع وصورة للمرحوم حسن أبو حجول وغيرهم عرفت من خلال هذه المشاهد بيتا عماده مخافة الله ووفاء الرجال نحو الرجال. 
 

 
 
 
 
 
 


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق