الفزعة...حين كان الجار سندا قبل أن يكون جارا **
د. حاتم عيد خوري
هناك قرى لا تكفي الجغرافيا لتعريفها؛ فهي ليست مجرد نقطة على خريطة، بل مساحة في الذاكرة والوجدان. وكانت فسوطه واحدة من تلك القرى التي لم تكن بالنسبة اليّ بيوتا متجاورة، بل عالما متكاملا له روحه الخاصة واخلاقه وقيمه التي رافقت ابناءه أينما ذهبوا.
وهناك صور لا تمحوها السنون، ولا تبهت ألوانها مهما تراكمت فوقها الأعوام، تظل ساكنة في أعماق الذاكرة، كأنها نُقشت على صفحات القلب قبل أن تُكتب على صفحات الكتب. وكلما تقدمت بنا السنون، ازددنا يقينًا أن بعض الأيام، وإن بدت عادية في حينها، تتحول مع الزمن إلى محطات فاصلة في تشكيل الشخصية وبناء الوجدان.
ومن بين تلك الأيام التي ما زالت تسكنني حتى اليوم، يومٌ من أيام طفولتي في فسوطه، يوم خرجت فيه مع والدي ووالدتي لزرع التبغ في قطعة أرض تُعرف بين أهل القرية باسم "مارس العليق". لم أكن يومها قد تجاوزت التاسعة من عمري، ولم أكن أدرك أنني ذاهب لأتعلم درسًا في الإنسانية سيبقى رفيقي ما حييت.
كانت فسوطه في تلك الأيام قرية زراعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الأرض فيها لم تكن مجرد مصدر رزق، بل كانت هويةً وانتماءً، ومدرسةً للحياة وميزانا للكرامة. يحرثها الفلاح بأدواته الزراعية البدائية، ويودع فيها تعبه، منتظرا أن تردّه اليه مضاعفا عند الحصاد والقطاف.
وكانت حياة الناس تدور مع الفصول كما تدور عقارب الساعة. القمح والعدس والحمص والفول كانت تُزرع لتملأ البيوت خيرًا ولتوفر مؤونة العيال، أما التبغ فكان هو المورد المالي الوحيد تقريبًا لكثير من الأسر، ممّا جعله يحتلُّ مكانة خاصة في حياة الناس. فمن ثمنه تُسدّد الديون، وتُشترى الملابس وتومَّن نفقاتُ الطبابة والدراسة، لذلك كان موسم التبغ موسما ينتظره الجميع، رغم ما يتطلبه من جهد وصبر، إذ كان أشبه بمعركة طويلة تبدأ في أواخر فصل الشتاء ولا تنتهي إلا بعد أشهر عديدة من الكدّ والتعب.
ولم يكن المال يأتي بسهولة؛ فالفلاح يقضي أشهرا طويلة في خدمة المحصول، ثم ينتظر موعد تسليمه لشركات السجاير، وبعدها ينتظر "يوم المحاسبة" الذي تتحدّد فيه قيمة محصوله. ولهذا كانت عبارة "اصبر عليّ حتى احاسب على الدخان" تتردد كثيرا بين الناس، لأنها كانت تختصر حال معظم الاسر في ذلك الزمن.
نعم كانت زراعة التبغ امتحانا حقيقيا للصبر. تبدأ منذ أواخر الشتاء بإعداد المشاتل، وتنقية التربة وزرع البذور الدقيقة، ثم رعايتها بعناية كبيرة حتى لا يقضي عليه البرد او العواصف او الحيوانات. كان الفلاح يراقب الاشتال كما يطمئن الوالدان على أطفالهم الصغار.
ومع حلول الربيع تبدأ مرحلة جديدة، إذ تُهيّأ الأرض، وتُحرث مرارا، ثم تُقتلع الاشتال من المشتل بحذر، وتُنقل الى الحقول في صناديق خشبية لتبدأ حياتها الجديدة حتى نهاية الموسم.
ولم تكن زراعة التبغ عملًا يؤديه الرجل وحده، بل كانت مشروع الأسرة بأكملها. لكل فرد فيه دور لا غنى عنه؛ الأب يحفر الجور ويملاها ماء، والأم تغرس الاشتال وتطمر جذورها بالتراب، والأبناء يحضّرون الاشتال والماء ويناولونها للأهل.
في تلك الأيام لم يكن الأطفال يُسألون إن كانوا يرغبون في العمل؛ فقد كان العمل جزءًا من التربية، وطريقا لاكتساب المسؤولية. وكان الإباء يردّدون أن الأرض لا تعطي خيرها إلا لمن يرويها بعرقه
لقد كان الصغار قبل الكبار يعرفون أن العطلة الصيفية ليست موسمًا للهو، بل موسمًا للعمل. حتى إننا، نحن تلاميذ المدرسة الأسقفية، كنّا نسمي العطلة الصيفية "عطلة قطيفة الدخان"، وعطلة الربيع "عطلة زرع الدخان" لأن حياتنا كانت تسير على إيقاع مواسم الأرض، فارتبطت في أذهاننا بذلك العمل الشاق الذي يبدأ قبل بزوغ الفجر وينتهي مع غروب الشمس.
ولم أدرك إلا بعد سنوات ان اباءنا لم يكونوا يعلموننا الزراعة وحدها، بل كانوا يغرسون في نفوسنا احترام العمل، والاعتماد على النفس، والإيمان بان الكرامة تُكتسب بالجد والاجتهاد، لا بالمال ولا بالمظاهر.
غير ان أعظم درس لم يكن قد جاء بعد.
كان ذلك في أحد أيام النصف الثاني من أيار 1947. كنت أعلم، منذ الليلة السابقة، بأنني سأرافق والديّ للمرة الأولى في يوم عمل كامل. شيء من الحماسة دفعني إلى الاستيقاظ قبل الجميع. أردت أن أكون حاضرًا منذ اللحظة الأولى، منذ اقتلاع الشتلات من المشتل وحتى غرسها في الأرض.
شعرت يومها أنني لم اعد مجرد طفل، بل أصبحت فردا في فريق العمل. سرنا معا الى أرضنا في موقع "مارس العليق"، وهو اسم طالما أثار فضولي. أما "العليق" فكان مفهوما لكثرة شجيراته الشائكة، أما كلمة "مارس" فعرفتُ فيما بعد، انها تطلق في فسوطه على الأرض السهلية المستطيلة الشكل.
وصلنا إلى مارس العليق، فإذا بنا لسنا وحدنا. لقد وجدنا ان جيراننا في هذا الموقع، قد سبقونا الى العمل. عن يميننا كان جارنا أبو الياس مع أسرته الكبيرة، وعن يسارنا أبو جريس مع أولاده. كان المشهد أشبه بخلية نحل؛ كل أسرة تعمل في مارسها بصمت.
توزعت الأدوار كما تتوزع آلات الأوركسترا في سيمفونية متقنة. والدي يحفر الجور ويملؤها بالماء، وأمي تغرس الاشتال وتطمر جذورها، أما أنا فقد أُوكلت إليّ مهمتان؛ نقل أباريق الماء، وإحضار الاشتال من الصندوق الخشبي.
قد تبدو هاتان المهمتان بسيطتين في نظر من لم يعش تلك الأيام، لكنهما كانتا العمود الفقري لاستمرار العمل. فلو تأخر الماء توقفت الأيدي، ولو انقطعت الاشتال تعطلت الحركة كلها.
في الساعات الأولى، كنت اشعر انني قادر على العمل حتى المساء. ركضت ذهابًا وإيابًا لكنّ حرارة الشمس كشفت لي حدود قوتي. أخذ العرق يتصبب من جبيني، وصارت خطواتي أبطأ. شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملانني. بدأت أنفاسي تتلاحق، وأحسست أن الأرض تدور بي. تمنّيتُ لو ألقي بجسدي الصغير على التراب المحروث لكي أستريح، لكنني كنت أرى ابي وامي منحنيان فوق الأرض يتابعان العمل، فاخجل من الشكوى خصوصا عندما رأيت ان صندوق الاشتال ما زال مليئًا.
كنت طفلًا، ولكنني كنت أفهم معنى المسؤولية، وأدرك أن كل شتلة تبقى غير مزروعة تعني خسارة جديدة لأسرتنا.
ولم أشأ أن أبوح بتعبي. خشيت أن يقلق والداي، أو أن يتوقف العمل بسببي. فابتلعت ألمي كما يبتلع الفلاح غصّتَه حين يرى السماء تحجب المطر..
كانت الشمس ترتفع شيئًا فشيئًا حتى أصبحت فوق رؤوسنا كأنها جمرة معلقة في السماء. لم يكن في الحقل ظلّ نستريح إليه، ولا نسمة باردة تخفف عناءنا.
ومع مرور الساعات أخذتُ أراقب حقليّ الجارين. كان العمل عند أبي الياس وأبي جريس يتقدم بسرعة لافتة، فكل واحد منهما يحيط به عدد كبير من الأبناء. أما نحن فكنا ثلاثة فقط.
نظرت إلى أسرتنا الصغيرة، ثم إلى أسرهم الكبيرة، وقلت في سري: "يا ليت لنا من الأيدي العاملة مثل ما لهم ". لكنني تذكرت في الوقت نفسه مثلًا كان يردده كبار السن: "يا ليت ما عمرا عمّرت بيت". فالأماني وحدها لا تغرس شجرة، ولا تروي زرعًا، ولا تنهي عملًا.
كنت على يقين أن الجيران سينهون عملهم قبلنا، وأننا سنبقى وحدنا في الحقل حتى المساء. لكنّ الواقع كان مختلفا..
انتهى أبو الياس من زراعة أرضه، فظننت أنه سيجمع أدواته ويعود إلى بيته ليستريح بعد يوم طويل من العمل. لكنه فاجأني حين اتجه نحونا، وخلفه زوجته وأبناؤه، يحملون ادواتهم الزراعية
وقف أبو الياس أمام والدي مبتسمًا محييا وقال: "جيناكم فزعة"
حاول والدي أن يشكره ويطلب منه الراحة، لكن أبا الياس لم ينتظر جوابًا، بل دخل الحقل وبدأ العمل. توزّع أفراد أسرته بيننا يساعدون كل واحد في مهمته.
ولم تمض دقائق حتى رأينا أبا جريس يصل هو الآخر مع أسرته، وقال ضاحكًا:"إحنا كمان إلنا حصة بالفزعة".
وفجأة امتلأ الحقل بالحركة، وتحولت الأيدي الكثيرة إلى خلية نحل تعمل في انسجام عجيب. واختفى التعب الذي كان يثقل النفوس، وحلّ مكانه شعورٌ دافئ بأن الجميع أسرة واحدة، وأن نجاح أحدهم هو نجاح للجميع.
وهناك، وأنا أقف أتأمل ذلك المشهد، أدركت للمرة الأولى أن الفزعة ليست مجرد مساعدة يقدمها جار لجاره، بل قيمة إنسانية عميقة تعلن أن أبناء القرية شركاء في التعب قبل أن يكونوا شركاء في الفرح. لقد كان ذلك أعظم درس تلقّيته في طفولتي، فبات بذرةً مباركة ستبقى حيّة في قلبي ما حييت.
انتهى ذلك اليوم، كما تنتهي أيام العمل الشاق، مع غروب الشمس. غير أنني لم أعد إلى البيت محملًا بالتعب وحده، بل عدت وفي داخلي سؤال ظلّ يرافقني سنوات طويلة: لماذا ترك جيراننا حقولهم بعد أن فرغوا منها، وجاؤوا ليكملوا عملنا؟ ما الذي يدفع إنسانًا أنهكه العمل منذ الفجر إلى أن يبدأ عملًا جديدًا في أرض غيره؟
لم أكن يومها قادرًا على فهم الجواب، لكن الحياة تكفلت مع مرور الأيام بتفسير ذلك المشهد الذي بقي راسخًا في ذاكرتي.
كلما كبرت، ازددتُ يقينًا بأن أجمل ما ورثناه عن آبائنا لم يكن الأرض ولا الزيتون ولا مهارة الزراعة، وإنما الإنسان نفسه. فقد كان أهل فسوطه يؤمنون بأن الفرد لا يعيش لنفسه وحدها، بل يعيش وفي قلبه متسع لغيره وان الوقت الذي يمنحه الانسان لغيره ليس خسارة، بل استثمار في انسانيته.
كانت البيوت مختلفة الأسماء، لكنها بدت كأنها بيت واحد بأبواب كثيرة، وكانت كلمة الفزعة جزءًا من الحياة اليومية، لا شعارًا يرفع في المناسبات ولا قيمة تُدرَّس في الكتب.
ولم تكن تلك الحادثة استثناءً.
كبرتُ، ورأيتُ الفزعة تتكرر في مناسبات كثيرة؛ حين احترق بيدر أحد أبناء القرية، وحين سُرقت مواشي آخر، وحين احتاج جار إلى من يعينه في بناء سقف بيته. كنت أرى الرجال يتركون أعمالهم، ويهرعون للمساعدة من غير دعوة، وكأن بينهم موعدًا قديمًا مع الخير.
وهكذا أدركت أن الفزعة لم تكن عملًا عابرًا، بل كانت ثقافة، وأن الثقافة الحقيقية لا تُدرّس في المدارس، وإنما تُعاش في البيوت والحقول والطرقات.
ولعل أجمل ما في الفزعة أنها لا تنتظر المقابل.
واليوم، حين أقارن بين ذلك الزمن وزمننا الحاضر، لا أفعل ذلك بدافع الحنين إلى مشقة الماضي، فالحياة الحديثة وفّرت للإنسان راحة لم تكن متاحة لآبائنا. فالآلات اختصرت ساعات العمل، والطرق المعبدة سهلت التنقل، ووسائل الاتصال قربت المسافات بين الناس.
لكنني أشعر أن شيئًا آخر قد ابتعد عنّا. ازدادت البيوت ارتفاعا، ولكن الجيران ابتعدوا عن بعضهم. وكثرت وسائل الاتصال، لكن دفء التواصل الإنساني قلّ. أصبح الإنسان يعرف أخبار أصدقاء يبعدون عنه آلاف الكيلومترات، وقد يجهل أحوال جاره الذي يسكن خلف الجدار. وصارت رسائل التعزية والمواساة تُرسل بكبسة زر، بينما كانت المواساة قديمًا تُقاس بعدد الخطوات التي يقطعها الإنسان ليقف إلى جانب أخيه في ساعة الشدة.
ولهذا فإنني لا أحنّ إلى تعب الأمس، بل إلى دفئه الإنساني. أحنُّ إلى زمن كانت فيه الأيدي تمتد قبل أن تُطلب، وكانت القلوب تلتقي قبل أن تختلف. فقد علمتني الحياة أن المجتمعات لا تنهار حين يقل المال، وإنما حين يقل التعاطف، وأن الفقر الحقيقي ليس فقر الجيوب، بل فقر القلوب.
ولعل أجمل ما في تلك التجربة أنها جسّدت القيم التي دعت إليها الرسالات السماوية جميعها. فالإنسان لا يكتمل إلا بأخيه الإنسان، ولا تُقاس قيمته بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين من خير وعون ورحمة. وقد كانت الفزعة التطبيق العملي لهذه المبادئ، دون خطب أو شعارات أو تنظير.
واليوم، كلما زرت فسوطه أتذكر أرض مارس العليق، لكني لا أرى شتلات التبغ التي غرسناها في ذلك الربيع البعيد جدا. لقد عفا عليها الزمن، ورحل كثير ممن شاركوا في زراعتها، إلى جوار ربهم. غير أن المشهد الذي بقي حيًّا في ذاكرتي هو صورة أبي الياس وهو يتقدم نحونا مبتسمًا قائلاً: "جيناكم فزعة" ثم صورة أبي جريس وهو يلحق به، ووالدي يطأطئ رأسه امتنانًا، وأمي يزول عن وجهها القلق بعدما أدركت أن العمل سيكتمل قبل غروب الشمس.
هناك، في ذلك الحقل الصغير، تعلم طفل في التاسعة من عمره درسًا لم يجده في كتب المدرسة ولا في مقاعد الجامعة، ولا في سنوات العمل الطويلة التي عاشها بعد ذلك. تعلم أن الإنسان قد ينسى وجوهًا كثيرة، لكنه لا ينسى اليد التي امتدت إليه ساعة حاجته، كما سيتذكر دوما أولئك الناس الطيّبين الذين كانوا يرون في تعب جارهم جزءًا من تعبهم، وفي فرحه امتدادا لفرحهم، والذين آمنوا بفطرتهم السليمة، أن الخير كلما اقتسمه الناس ازداد، وأن المحبة لا تنقص حين تتوزع، بل تتضاعف.
وإذا كان لي أن أترك وصية للأجيال الجديدة، فهي ألا تجعل الفزعة مجرد كلمة تُروى في كتب التراث أو حكاية يتناقلها الشيوخ، بل أن تجعلها سلوكًا يوميًا يتجلّى في أبسط المواقف؛ في زيارة مريض، أو مواساة منكوب، أو مساعدة طالب علم، أو الوقوف إلى جانب محتاج، أو حتى في كلمة طيبة ترفع عن إنسان بعض ما يثقل قلبه. فالفزعة ليست صورة واحدة، وإنما روح تسكن الإنسان، فإذا سكنته صار أكثر رحمة، وأصدق مروءة، وأقرب إلى معنى الإنسانية.
رحم الله أولئك الرجال والنساء الذين غرسوا في قلب طفل صغير تلك البذرة المباركة، قبل أن يغرسوا شتلات التبغ في أرض مارس العليق
حقّا انتهى عهد زراعة التبغ في فسوطه، وتغيرت الحياة، لكن البذرة التي زُرعت في نفسي بقيت خضراء لا تعرف الذبول. وما دام في الناس من يؤمن بأن الجار سند، وأن المعروف دَين، وأن الأيدي إذا تشابكت خفّ الحمل واستقام الطريق، فإن الأمل سيظلّ حيًّا في أن تستعيد مجتمعاتنا ذلك المعنى الجميل الذي اختصره أهل فسوطه في كلمة واحدة... الفزعة.
** نصٌّ من كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا بعنوان " ذاكرة قرية...سيرة وطن".

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


