فيروز و"المسيح قام"..(في كنيسة القدّيسين قسطنطين وهيلانة) كفرسميع
07/05/2026 - 08:58:45 pm

فيروز و"المسيح قام".. 

(في كنيسة القدّيسين قسطنطين وهيلانة) كفرسميع 

بقلم: يوسف ناصر

                       

          يا كرَوانَ لبنان، وهزارَ الأرز، وجرسَ الكنائس! لا أجمل ولا أبهج، ولا أرقّ ولا أعذب! ساعة جئتِ مع يوم القيامة هذا العام ترنّمين في كنيستنا وتغرّدين، وكان وجه العيد حزينًا واجمًا يرتدى جلباب اللّيل الدّاجي الّذي يكسو قلوب النّاس! وكان أخرسَ، لكنّه يتكلّم بخرير الدّموع الّتي تنهمر نهرًا موّارًا في مآقي الأمّهات! في عالم لا نرى المحبّة إلّا مصلوبة على الأعواد في النّفوس، والسّلام معلّقًا على المشانق في القلوب، والموت يهطل في هذا الشّتاء العاصف أمطار جمرٍ، ووابل قنابلَ فطرتِ إلينا تحت الأنواء وبين الزعازع تصدحين وترتّلين وتُرجّعين وتهتفين في رحاب الكنيسة: "اَلْمَسِيحُ قَامَ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِْ، وَدَاسَ ٱلْمَوْتَ بِٱلْمَوْتِْ، وَوَهَبَ ٱلْحَيَاةَ لِلَّذِينَ فِي ٱلْقُبُورِْ"! فانقلب الحزن فرحًا، والدّمع بسمةً، والصّمت صخَبَ عرسٍ عظيم في استقبال ملك الملوك، وربّ الأرباب القائم من القبر في موكب قيامته العظيمة، فاشرأبّت أعناق الأعمدة في الكنيسة للصّوت السّماويّ، وتمايلت رؤوس الحجارة طربًا للّحن البديع، حتّى صدحت فيها أسراب الأجراس فرحًا فوق القباب، وتمنّت لو تستطيع أن تحلّ رُبُطَها وتنزل من أعلى القباب لتحوّم في الفضاء الرحيب لترى وتسمع أجراس ألحانك! ولا تعجبي إذ تمثّلتُ عنادل الرّبا وأطيار الخمائل من كلّ بلبل نشوان، وعندليب غرّيد، هجرتِ الدّوح الوارف، والأيك النّاضر في روابي الجليل وخمائله، وأقبلتْ من بعيد يزاحم بعضها بعضًا فوق النّوافذ لتشفي غُلّتها، وظمأ أوتارها من جداول ترتيلك العذب الذي ينساب إلى الأرواح والقلوب كوثرًا زُلالًا في هذا اليوم العظيم. 

          .. لا عجب يا كروانَ لبنان، وهزارَ الأرز، وجرسَ الكنائس أن يكون شدوك في "ٱلْمَسِيحُ قَامَ" بصوتك العجيب أعجوبةً من أعاجيب السيّد المسيح في الأرض، وواحدةً من معجزاته الكثيرة الّتي صنعها ولم تدوّنها الكتب! بل هي المعجزة الثّانية بعد الأولى في قانا الجليل إذ حوّل الماء إلى خمر، وحوّل أجاجين صوتك إلى نبيذٍ حلو المذاق، يقطر من لسانك صوتًا لذيذًا في الأسماع، فيَسكر كلُّ سمْعٍ يشربُ.. ويطرب كلُّ شاربٍ يسمعُ..! وقد أطلقه من لسانك لتنقلي إلى العالم بشرى المحبّة والسّلام والأمل والرّجاء في قيامته من بين الأموات، بعدما جعلك واحدة من المريمات وحاملات الطّيب اللّواتي ذهبن أوّل الفجر باكرًا إلى القبر بإيمان وخوف ورعدة، وعُدن رسلًا إلى الرسل كارزاتٍ يبشّرْنهم بقيامته "بخوف وفرح عظيم"، فطوبى لك إذ مجّدك السيّد المسيح واختارك بعد ألفي عام لتنوبي عنهنّ في حمل هذه البشرى العظيمة للعالم عامًا بعد عام.

              ...ترتيلة سرمديّة في لسانك، تتناقلها الأنسام للدّنيا أريجًا يُضمّخ قلوب الحزانى بالأمل، ويُعطّر نفوس المنكوبين بالرّجاء، وتصل إلى كلّ الأسماع في الدّنيا لتبشري بأعظم انتصار عرفه تاريخ البشريّة جمعاء ساعة غلب السّيّد المسيح الموت في هذا اليوم المجيد، وقام من القبر من أجل خلاص كلّ البشر، فانتصر النّور على ظلام العالم ، والمحبّة على البغضاء، والفرح على الحزن، لأنّه عالم الأحزان والآلام والدّموع و"وادي البكاء" الّذي لا يجوز فيه أن نلقي صليب المسيح عن ظهورنا، ونرمي إكليل شوكه عن رؤوسنا يومًا، محتملين فيه الضّيقات والشّدائد بصبر وفرح من أجل قيامة السّلام والمحبّة بين النّاس جميعًا، فننال بذلك  أكاليل المجد السّماويّ الّذي لا يبلى ولا يزول يومًا..! 

           ... فيروزُ يا ٱبنةَ الكمان، وأختَ الوتر..! عودي وأعيدي، ردّدي ورنّمي " هذَا هُوَ ٱلْيَوْمُ ٱلّذِي صَنَعَهُ ٱلرَّبُْ، فَلْنَفْرَحْ وَلْنَتَهَلَّلْ بِـــــــــــهِ..." لتنزل أسراب الملائكة من السّماء زَرافات وترنّم معك! واذكري فيروزُ وذكّري الدّنيا: أنّ بعد كلّ طريق آلام قيامةً! وأنّ بعد كلّ جحيم خلاصًا!! وأنّ اللّيل مهما تدجّى لا يستطيع أن يمنع النّور أن يفيض إلى أرجاء العالم!



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق