.. ما لهذا ٱلعالم ٱلشّقيّ يفقد رشده، ويسعى إلى حتفه بيده، ويطحن عظام أبنائه، وجلاوزته ٱلمؤتمنون على ٱلعدل وٱلسّلام في ٱلأرض طردوا ٱلمحبّة خارج ٱلأسوار وعلّقوها فوق ٱلمشانق..! وغدت بغيابها قلوب أكثر ٱلناس صحارى جرداء من كلّ عاطفة وحسّ بٱلرّحمة، وٱستحالتِ ٱلدّنيا في وضح نهارها ليلًا دامسًا ٱنطفأت فيه ٱلكواكب وٱلشّهب ..! أولئك يوم حبِلتْ بهم أرحام أمّهاتهم، حبِلتْ بحجارة لم تنجب مثلها أحشاء ٱلبراكين عند مخاضها، يطربون على نواح ٱلثّكالى، ويقيمون في أعلى أبنيات ٱلظّلم وٱلقتل وفوق عمارات قائمة على ٱلرّؤوس وٱلجماجم في أرجاء ٱلعالم !
.. وكم ظننتُ إذ ذاك أن تدخل ٱلأقلام مع عاطفتها وبأناشيد ﭐلأمل وٱلفرح إلى كلّ كوخ، وكلّ خيمة، وكلّ بيت، وتعزّي ٱلمعذّبين في ٱلأرض، وتنزل إلى قلوب ٱلثّكالى، وبطون ٱلجياع، وتقيم منَ ٱلموت كلّ ٱلمكفّنين بٱلأحزان، وتطوف بأعلى أصواتها بين ٱلشّعوب صارخةً " ٱرحموا من في ٱلأرض يرحمْكم مَنْ في ٱلسّماء"..! وكم راعني إذ نظرت فوجدتُّ أكثرها أقلامًا سامّة تميت ٱلنّاس بغير سيف، وتُعيي ٱلتّرياقَ عن شفائهم، حين تؤجّج نيران ٱلعنصريّة، وتُذكي حرائق ﭐلضّغائن بين أبناء ٱلدّيانات، وتناصر ٱلظّلم، وٱلٱستبداد، تكتب للنّاس قاحلةً من كلّ عاطفة ما عدا ٱلحقد وٱلٱنتقام ، وجرداءَ من كلّ حنان ما خلا ٱلبغضاء وٱلحسد ! وقد غرّها ما خلّفَتْه وراءها من هشيم يابس تمتدّ حقوله ٱلواسعة إلى أقصى حدود ٱلورق..! وقد حسِبتْ أن نقيق ٱلضّفادع في ٱلظّلام يُغني عن ألحان ٱلكنار في ٱلصّباح، ويعلو بثرثرته على هتاف ٱلهزار في ٱلخمائل..
لا يعلم أولئك أنّ ٱلعاطفة غرْسُ ٱلله في ٱلإنسان وثمارها ٱلمحبّة وٱلسّلام بين ٱلنّاس، ودونها يكون ٱلإنسان وحشًا ضاريًا.. وأنّ ﭐلعاطفة وحدها دون غيرها شراب ٱلأقلام إذا ٱشتدّ ٱلوهج..! وأنّها متى ٱرتوت من ينابيعها تونِع أحرفُها، وتخضرّ كلماتها وتأتي بٱلثّمر ٱلكثير..! فمِن أين للأشجار أن تعلو باسقةً إن لم تشرب من نهر سيّال يتدفّق..! ومتى كان للرّبيع أن يختال بحلل ٱلجمال فوق ٱلتّلال إن لم يَسْقِه ٱلمطر ٱلهطّال كؤوسًا طافحة من ٱلشّراب ٱلعذب ..!
.. ومتى كانت كؤوس ٱلأدب لذيذة وحلوة ٱلمذاق، إذا لم يملأها ٱلقلم ٱلمِعطار من ذوب ٱلعاطفة وحشاشة ٱلرّوح! فلا تقُلْ أيّها ٱلورق: مَن لي بٱلشراب إذا عطش ٱلقلم.! حسْبُك أنّنا في زمن قحط ﭐلقرائح وقد جفّت ٱلجداول، ونضبت ٱلأنهار منذ هلاك ٱلمحبّة وٱلعاطفة في قلوب ٱلنّاس، وٱنقطاع أمطار ٱلنّعم ٱلسّماويّة قِصاصًا للبشر!
أيّها الورق! كيف لقلم في يدي أن يعطش يومًا ما دام هذا القلم ينزل في أعماقي إلى آباري ٱلحافلة بٱلرّحيق ٱلسّلسل وٱلكوثر ٱلعذب وينغب..! وما دام هذا ٱلقلم يسمع لعاطفتي هناك خرير الأنهار دفّاقة لا تنضب..! وحيث على ضفافها في ٱلأعماق عندليب غرّيد يصدح للمحبّة بين ٱلنّاس من فمي..! وفي يدي أحمل من هناك هديّتي للنّاس وردة عبّاقة بأريج حرفي، مبشّرًا بٱلسّلام وٱلأمل في ٱلأرض..! فٱنهضْ يا قلم ٱهتفْ ونادِ : ليس في ٱلعالم كلّه بعد نور ٱلله كنور ٱلكلمة ٱلطّيّبة..إنّها شمس ٱلدّنيا وهالتها ٱلكبرى.. لأنّها بٱلبدء كانت.. وأنوار ٱلشّمس وٱلقمر وٱلكواكب تبقى عمياء طالما لا تستضيء بنورها..! ولأجلها وحدها وُلد ٱلحرف وٱلقلم .!
كفرسميع في 281125
الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


