كيف نقول בדיעבד (in retrospect) باللّغة العربيّة؟
30/01/2022 - 08:07:10 pm

كيف نقول בדיעבד (in retrospect) باللّغة العربيّة؟

د. إياس يوسف ناصر 

 

لا تخلو لغةٌ من لغات الأرض من التّغيّر والتّبدّل والتّجدّد، فلا نعجب حين يُترَكُ الكثيرُ من ألفاظها القديمة، وحين يضاف إليها الكثير من الألفاظ الجديدة الّتي تقتضيها الحياة الحديثة بحكم ما فيها من مستجدّات وأحوال واختراعات لم يَألَفْها القدماء بطبيعة الحال، فلا نلقى ما يدلّ عليها في المعجم القديم.   

 

ولكنّي مع ذلك كلّه أجد اللّغة العربيّة وكنوزها النّفيسة تُعِيننا على بيان بعض المعاني الحديثة الّتي يُخيَّل إلينا أنّ القدماء لم يعبّروا عنها. من أمثلة ذلك العبارة الإنجليزيّة (in retrospect؛ والعبارة العبريّة בדיעבד) التي تعني: بالنّظر إلى الخلف/الماضي. وهي عبارة يستعملها المتكلّم ليشير إلى أمر قد مضى وقوعه، ولكنّه أخذ يتأمّله ويتحدّث عنه بعد أن عرف عنه ما لم يكن يعرفه في ذلك الحين. وقد تعدّدت الكلمات العربيّة في ترجمة هذه العبارة، فقالوا: بالنّظر إلى الوراء، وبأثر رجعيّ، إلى غير ذلك من العبارات، كقولنا: كنتُ أظنّ أنّه أمرٌ سيّئ، ولكنّني بالنّظر إلى الوراء أراه من الأمور المفيدة الّتي زادتني عِلْمًا وتجربةً.

 

نستطيع أن نعبّر عن هذا المعنى بأساليب عربيّة بسيطة واضحة، نستعمل الأفعال ونتجنّب نقل المعنى بحرفه، وهو أمر لا أريد أن أخوض في تفصيله وتبيانه، ولكنّي أودّ أن أشير بإيجاز إلى ثلاث كلمات عربيّة تستوفي هذا المعنى بدقّة، ثمّ أورد أمثلة لها من أدبنا العربيّ قديمًا وحديثًا:

الكلمة الأولى: نَئِيشًا (بمعنى أخيرًا؛ من النَّأْش بمعنى التّأخير)

المثال الأوّل: يقول أحد الشّعراء القدماء وهو يتحدّث عن رجل عصاهُ وخَرَجَ عن طاعته: تَمَنَّى نَئِيشًا أَنْ يَكُونَ أَطَاعَنِي / وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ ٱلْأُمُورِ أُمُورُ. «أي تمنّى في الأخير وبعد الفوت حيث لا يَنْفعُهُ فيه الطّاعة» (المرجع: الزَّبيديّ، تاج العروس، الكويت، 17: 396).

المثال الثّاني: يقول الأديب كامل كيلاني في ترجمته لقصّة روبنسن كروزو: «فهوى في إحدى الحُفَرِ تيسٌ عنيدٌ؛ فلم أُفلح في تسكين ثورتِهِ وهياجه، فاضْطُررتُ إلى إطلاقه. ولو أنّني تركتُهُ في الحفرة أيّامًا حتّى يدوِّخَهُ الجوعُ فَيَسْلَسَ قِيَادُهُ، لَتَمَّ لي ما أردتُ. ولكنّ هذه الفكرة لم تمرَّ بخاطري إلّا نَئِيشًا» (المرجع: كامل كيلاني – المترجم، روبنسن كروزو، القاهرة، 87)

الكلمة الثّانية: بِأَخَرَةٍ (بمعنى أخيرًا)

يستعمل الأديب طه حسين هذه الكلمة كثيرًا في مؤلّفاته، ولنا في هذا المثال ما يغنينا عن ذكر سائر الأمثلة. يتحدّث طه حسين عن خالد بن الوليد حين ترك جيشه في العراق وحجّ مستخفيًا، لم يُعلن ذلك إلى الخليفة أبي بكر، وإنّما أخبَرَ خاصّتَهُ فقط. فأشار طه حسين إلى هذا الأمر قائلًا: «ولم يَعْلَمْ أبو بكر بحجّ خالد إلّا بِأَخَرَةٍ» (المرجع: طه حسين، الشّيخان، القاهرة، 85)

 

الكلمة الثّالثة: تَدَبُّرًا (من الفعل تَدَبَّرَ الأمرَ، أو ٱسْتَدْبَرَ الأمرَ، بمعنى رأى في عاقبته ما لم يَرَهُ في صدره)

يقول جرير، الشّاعر الأمويّ الألمعيّ: وَلَا تَتَّقُونَ ٱلشَّرَّ حَتَّى يُصِيبَكُمْ / وَلَا تَعْرِفُونَ ٱلْأَمْرَ إِلَّا تَدَبُّرَا (المرجع: ابن سيده، المحكم، بيروت، 9: 314).

 

وأصل هذين الفعلين من «الدُّبُر» بمعنى الظَّهْر. والفعل «استَدْبَرَهُ» خلافُ الفعل «استَقْبَلَهُ» المأخوذ من القُبُل حين يكون الشّيء قُبالتَكَ وحيالَكَ. فانظر إلى هذه الدّقّة اللّغويّة والفرق المهمّ بين الفعل «استَقْبَلْتُ الحدثَ»، حين تنظر إليه وهو يُقبِل عليك، والفعل «استَدْبَرْتُ الحدثَ»، حين تنظر إليه وقد صار خلفك. نستدلّ بذلك على أنّ الحدث عند العرب القدماء بمنزلة الإنسان يقبل علينا من فوّهة المستقبل، ثمّ لا يلبث أن يمضي في طريقه إلى هاوية الماضي، وقد يتاح لنا أن نشاهده وهو مقبل، ثمّ يقع وينقضي، فننظر إليه وقد ولّى ذاهبًا. ولهذا كان الاستقبال عند العرب مزيّةً من مزايا الإنسان اللّبيب النّافذ البصيرة، لأنّه يمتاز بمقدرته على رصد الأحداث التي تقبل عليه، فيتبيّنها قبل أن تطرأ عليه، وهو بخلاف الإنسان القليل التّأمّل الذي لا يلبث أن تغشاه الأحداث من غير أن يتوقّعها أو يَفطَن لها.  

هذه كلماتٌ ثلاثٌ من لغتنا العربيّة تؤدّي معنى هذه العبارة الشّائعة، ولو نَفَضْنا الغبار عنها وعُدْنا إلى استعمالها، لكان ذلك إحياءً للّغة، وتعبيرًا عن جزالتها، وغرسًا لقيمة عظيمة نفيسة، هي قيمة الانتماء إلى لغتنا العربيّة. 



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق