لماذا اراد الانتحار ! بقلم كميل فياض
2013-09-26 11:22:44

في الثلاثينات من عمره .. نحيل قصير  القامة ، اسمر ، في عيناه بعض حَوَل .. يعيش مع عائلة بالتبني .. يجر كلبا صغيرا دائما برفقته .. في نظرته اليك خشية واستحياء ، الى شيء من الاستعطاف .. وهو وكلبه وحيدين معظم الوقت ، ويبدو كل منهما متعلق بالآخر .. فقد ربط بينهما رابط من الوحدة والوحشة والحاجة في تلك الغربة التي تخيم على المكان ..
 احيانا وهو عابر بكلبه بالقرب من مكان عملي ، حين اناوب هناك ، يتلكأ يتلفت وهو يختلس النظر الىّ ، ثم يحدجني بنظرات فضول واستدعاء ، فأدعوه  واحدثه ، فتنفرج اساريره ، يتشجع ويقترب ويطول مكوثه واقفا يحدث بما يعني ولا يعني بالنسبة لي ، وكأنني فتحت صندوق مليء ومحشور بالكلام .. من ذلك قصته مع كلبه ، الذي يتعلق به تعلقا سبب له متاعب ومشاكل جمة . اذ ان تلك العائلة التي تتبناه ترفض تلك العلاقة ، وتحديدا ترفض ايواء الكلب بالبيت او في محاذاته .. ولذلك يظل هاربا به حتى ساعات متأخرة من الليل .. الى تلك المعاناة هو يعاني قلة المهتمين به .. فلا اصدقاء ولا اقارب ولا زملاء عمل ، فهو لا يعمل بسبب وضعه الصحي ، وهو يتقاضى معاشا من التأمين الوطني ، لكن العائلة التي تتبناه تأخذ معاشه .. في الآونة الاخيرة تناهى الى سمعي ان هذا الشاب حاول الانتحار .. وسرعان ما تبين ان رغم الكآبة التي اصابته مؤخرا ، قد افتعل نية الانتحار ليجذب انتباه الناس اليه ، فقد ارسل رسالة sms مفتوحة من نقاله ان بنيته الانتحار ، فالتقط الرسالة شخص يعرفه واوصل الخبر الى الشرطة .. وهنا حدث ما اراده هذا الشاب ، فلم يبق احد مما كان يعرفه ويراه في منطقته ، الا وسأل عنه او بحث عنه الى جانب قوى الامن، بعد ان  فُقدت آثاره هو وكلبه ساعات عديدة ذاك النهار .. والتقيته بعد ان انتهى الامر في ذاك المكان ، وما ان لمحني من بعيد حتى بدأ يغذ السير وهو يقص لي قصة الانتحار ، وهو مبتهج وكأنه ربح في اليانصيب الجائزة الكبرى .. فقد شعر باهتمام الناس به .!
وهنا وبغض الطرف عن هذه الحكاية التي حدثت فعلا بالامس .. اتساءل لماذا نحن نحتاج الى من يهتم  بنا ، يُشعرنا بأهميتنا ، يحتفل بنا ، يقر بوجودنا ، فوق ما نحتاجه من اسباب الوجود والبقاء التلقائيين والطبيعيين عموما ..!
ففي الواقع لم يكن هذا الشخص خارج عن القاعدة تماما – رغم ضعفه وتصرفه المتطرف والصبياني – فالكل كذلك بدرجات متفاوته .. السنا جميعا غرباء وحيدين في هذا العالم ، سواء كانت علاقتنا غنية ام فقيرة مع الاغيار في نهاية الامر ؟!
هل يغنينا الاعتراف بنا من قبل الغير عن الحاجة الى الطمأنينة تجاه المجهول الذي يلف حياتنا .. تجاه العجز ، الشيخوخة ، ثم الموت .. هل تعتقدون ان رئيس دولة – مثلا -  اقل حاجة الى الله من كلب صاحبنا الكئيب الغريب ، وكلاهما يأكلان من يد نفس الرازق المنان ..!
ان شعورنا الملح بضرورة اعتراف واحتفال الآخرين بنا ، نابع من جهل بحقيقة وجودنا ، وهو راجع للانا الصغير المسكين خاصتنا ، الذي يجهل نفسه ويجهل صاحبه ، فيقترن بالوجود وهو عدمٌ ، وينتحل صفة الحياة وهو ميتٌ..
ولو ارتفعنا عنه لحظة عميقة صادقة من التأمل فيه ، لانفرجت اشراقة تحكي حكاية اخرى .



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق