سلوكيات شائكة بقلم سامي أسعد
2013-06-07 13:08:47

إن المنظومة الإجتماعيّة التقليدية لم تكن مهيئة للتصدي أو التعاطي مع سيل العولمة والتمدّن اللذان إجتاحا المجتمعات الشرقية وما زالا يقضا مضاجعها، مما أدى إلى إتساع الهوة بين الأفراد وبين نقاط الإرتكاز الإجتماعي.

ما فتئت الشعوب يوماً تبذل جهداً وتوظف جّل مقدراتها الانسانية والحضارية لتعزيز القيَم الإنسانية وتهذيب الغرائز البشرية لدى أبنائها راجية بذلك خلق أجواء وسلوكيات حضارية تؤمن التوازنات الضرورية بين الأفراد في تعاطيهم مع أبناء محيطهم بما يضمن في نهاية الأمر ظروف العيش المشترك المبني على قواعد راسخة من الإحترام المتبادل والإعتراف بخصوصيات الآخر والتمييز بين العام والخاص مقروناً بتنازل مُدرك من الأفراد لصالح الحيّز العام وذلك توظيفاً وترسيخاً وإيماناً ان في ذلك مساهمة لتدعيم اجواء معيشيّة مريحة، آمنة ومستقرة تحفظ الكرامات والخصوصيات وتذود عن حرية الرأي والموقف والعمل والإبداع، مُؤمّنة الحراك الإنساني الحضاري بكافة أطيافه ومناحيه، ما أفضى الى الإعتراف والتسليم المبدأي بأن الحيّز العام هو حيّز مُقدّس.
وإذا ما تطرقنا إلى عملية التكيُّف التي مرّ بها مجتمعنا الشرقي المُحافظ خلال العقود الأخيرة إزاء موضوع التناغم بين الخاص والعام وفي ظل تحديات التمدن والعصرنة والعولمة، فسنلحظ أن قوى الجذب والدفع لعبت دوراً فاعلاً – متساوياً أحياناً ومتفاوتاً في أحيان أخرى – في تحديد التوازنات ووتيرتها في الحيّز الإجتماعي العام، وفي هذا المضمار أخذت القوى والمرجعيات الإجتماعية والعائلية المُحافِظة دوراً فاعلاً ومؤثراً في صّد أو تحديد وتيرة إستشراء ظواهر التمدّن وتحرّر الأفراد، إلا أن الإجتياح الهائل للعولمة وما رافقه من إنتشار التقنيات العالية في السنوات الأخيرة قد أفضى الى تحوّل دراماتيكي قلّص وبشكل كبير دور هذه المرجعيات وتأثيرها، فقد إخترقت وسائل العولمة كل أجهزة (الفلتَرَة) الإجتماعية وأصبحت تخاطب الأفراد – إيجاباً وسلباً - مباشرة ودون وسطاء!
قد نستطيع أن نجزم بأن المنظومة الإجتماعيّة التقليدية لم تكن مهيئة للتصدي أو التعاطي مع سيل العولمة والتمدن اللذان إجتاحا المجتمعات الشرقية وما زالا يقضا مضاجعها، مما أدى إلى إتساع الهوة بين الأفراد وبين نقاط الإرتكاز الإجتماعي فتبعتها إفرازات قليلها إيجابي وغالبها سلبي نشهده يوميا في السلوكيات والنهج والتصرفات فإزدادت ظواهر العنف وانتهاك حرمات الحيّز العام دون حسيب أو رقيب مروراً بتهميش حريات الآخرين وتقويضاً لمعادلة الإحترام المتبادل، فنرى عنفاً على الطرقات والساحات والذهنيات واستهتاراً بالنظام العام والنظافة العامة وتخريب في الممتلكات، وأضحى تصرف الأفراد وفق الأهواء الشخصية دون الأخذ بعين الإعتبار خصوصيات واحتياجات الآخرين فنرى تفريغاً للطاقات والغرائز واستخفافاً بالأرواح والقيم والمُسَلّمات.
في ظل هذا النسق السلوكي الشائك لم يعد بمقدور الأطر الإجتماعية التقليدية مواجهة التحديات فهي بالكاد الآن تستطيع أن تلعب دوراً جزئياً لا أكثر، وفي هذا السياق أقول أنه يخطأ من يظن ان إصدار منشور هنا أو هناك من الهيئات الروحية يضمن تصحيح الأخطاء وتقويم التوجهات والسلوكيات فهو يأتي في صيغة الأمر ويفتقد العناصر الإرشادية والتوجيهية بما فيها المبررات المنطقية.
إن كنا نطمح لإحداث تغيير حقيقي فلا بد لنا من إعادة تفعيل دور الحلقات التربوية والتثقيفية المركزية الثلاث وبزخم كبير.
 الحلقة الأولى – دور الأهل التربوي: بما أن الانسان هو مخلوق يتعلم ويكتسب، فان ما يكتسبه من تربية الوالدين وتصرفاتهم وسلوكياتهم يكون له نمطاً وقدوة يحتذى بهما، ففي اغلب الأحيان يتبنى الأبناء تصرفات الوالدين معاودين تكرارها تلقائيا، ومن جهة أخرى تقع على عاتق الوالدين مسؤولية إرشاد وتوعية الأبناء في التعامل مع الآخرين وفق ما يوحي به المنطق والعقل السديد، وحثّهم الإستزادة بالعلم والمعرفة وتثقيفهم وفق القيم الإنسانية العامة وتنمية روح العطاء والتطوّع لديهم.
الحلقة الثانية – دور المدرسة وتحديداً دور المعلمين فيها: كما هو الحال بالنسبة للأهل، فالمعلم القدير هو ذاك الذي يُشكل بالنسبة لطلابه مصدر إلهام وقدوة، يُوسّع آفاقهم ويحثهم على الإدراك والمعرفة، فيقتضي الأمر أن يكون المعلم مثقفاً رحب الآفاق يبحر أبعد من النصوص المحددة في منهاج تعليمه فيُثري طلابه ويفتح أمامهم أبواب التحدي والرأي. وتأخذ المدرسة دوراً محورياً في تطبيق برامج تثقيفية تعزز من هوية الطالب ودوره الاجتماعي الفاعل.
الحلقة الثالثة – دور المؤسسات البلديّة: بمعزل عن التعليم المنهجي وأهميته فالمتوقع من السلطة المحلية ممثلةً بجهازها التربوي أن تطور برامج التثقيف اللامنهجي من محاضرات وورشات عمل ودورات استكمالية مختلفة فبذلك تتسنى مواكبة تحديات الواقع المعاش بادخال مضامين متنوعة تتلائم وهذه التحديات، ومثالاً على ذلك، اقامة دورات تأهيلية تطوّر من قدرات الأهل في ممارسة دورهم الاساسي في عملية تربية أبنائهم بالاضافة الى اقامة دورات حاسوب ودورات استكمالية مختلفة. على السلطة المحلية ان تسعى لتكون مباني المدارس البلدية لتعليم الطلاب صباحاً ولتأهيل وتثقيف الأهالي مساءً. وعندما نتحدث عن دور السلطة المحلية الشمولي فهو يمتد في اتجاهين متوازيين ومتكاملين: الأول في نشر التوعية من جهة، وفي فرض النظام من الجهة الاخرى. وبما أننا متفقون بأن الحيّز العام له قدسيته فكي نحافظ عليها يجب تطبيق معادلة واضحة: الكثير من التروّي في التوعية والقليل من التهاون في فرض النظام!
ان التكامل بين الحلقات الثلاث المذكورة يضمن عملية تربوية متناسقة تُكمّل الواحدة الاخرى فتُنتج نسقاً إنسانياً حضارياً يسوده الإحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد والمحافظة على المُسَلّمات الاجتماعية العامة، والأمر يقتضي رؤية شمولية وخطط عمل مبرمجة واضحة المعالم والمعايير وتضافر الجهود وتكريس الموارد اللازمة.

دالية الكرمل
حزيران 2013

 



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق