قوى الفكرية العقلية فينا الى اين تتوجه ، في خدمة من وماذا ، وبأي المفاهيم والاغراض نربطها ونتوجه بها ..؟
العواطف والمشاعر والوجدانات بماذا نطبعها ، نعلق بها ، نربطها .. ام هي التي تبلور مفاهيمنا ومعتقداتنا وتوجهاتنا من داخل اللاوعي ..؟
في كل الاحوال ،الفكر والعواطف والمشاعر والوجدانات والعقول ،هي طاقات مجردة ومادة خام في ذاتها . وسواء نحن الذين نُلبسها او نطعِّمها بهذه الصفات او تلك، بهذه التصورات والمضامين او تلك، بهذه الاعتقادات او غيرها ، أو نرث ذلك ونتلقفه بقبول غير مدروس ومقارن وغير مشروط من سوانا ممن سبقنا في الولادة ،ممن تعلمنا وتربينا وتثقفنا على يديه ، في البيت وفي المدرسة وفي الشارع والنادي والمعبد والملعب الخ .. كل ذلك على ما يعج فيه من تناقضات ويحمل من تصادمات ، صراعات ، حروب ،دمار . يعود بشيء كثير او قليل منه لكل منا، لمسؤولية كل منا .. يمكن ان نكتشف – اذا اردنا – أثر من ذلك ، عيِّنة من ذلك ،اذا نظرنا بموضوعية الى انفسنا الى افكارنا ومشاعرنا .. بماذا تنشغل والى م تتوجه وماذا تقصد ..؟ بدءا من علاقتنا بأنفسنا داخليا ،الهواجس الرغبات التطلعات الخفية ، والى ما يحدث في سوريا والصومال ومالي والبرازيل .. وعلى المريخ .. مرورا بما يحدث بيننا وبين ازواجنا واولادنا داخل البيت ،وبيننا وبين اخوتنا واخواتنا داخل العائلة ، وبيننا وبين جيراننا ،اصدقاءنا ، زملائنا في العمل والناس عموما في كل مكان نتواجد فيه .. طبعا لا يمكن الدخول في تفاصيل كل أشكال وانواع العلاقات والصراعات بين البشر ، وليس ذلك مطلوبا .. ببساطة طبيعة النتائج السلوكية تدل على طبيعة الدوافع والمحركات . لكن بما ان الانسان يملك الارادة الى الحد الذي معه يمكن اختيار طريقه، مفاهيمه، حزبه ، معتقده ،مواقفه ، آراءه . وبمبلغ ومستىوى ثقافته ،يستطيع ايضًا تشكيل ذوقه الفني في الموسيقى والطرب والشعر والادب الخ .. والقصد هنا استطاعته التأثير على طبيعة مشاعره وليس فقط على منحاه الفكري .. اذا كان الانسان يستطيع ذلك ،ما الذي يمنعه ان يكون انسانا بكل معنى الكلمة ، وانسان بكل معنى الكلمة – على الاقل بالنسبة لي – هو انسان يرفض ان يكون مُقادا لأحد ،ان يكون مقيد بجماعة ،مشروط بمرجعية ، مرهون بطبقة .. بل هو المسؤول عن نفسه أولا واخيرا وبوعي خالص .. بوعي خالص لا يعني بالضرورة غير منسجم مع البيئة ومتطلباتها الواقعية ، لكن يعني انه طبيب نفسه قبل اي طبيب ،ويسأل روحه عن حقيقة وجوده ، ولا يقتصر على استمداد المعرفة من " شيخ " عن تلك الروح .. ومسؤول عن نفسه يعني غير متصادم داخليا مع الحقيقة الذاتية الخالصة ،التي هي وعي غير مشروط في ذاته بمفهوم مسبق – سواء منه هو او من سواه - ان الطاقة التي لا نستنفدها في صراعنا (الفردي) ضد اخوة وجيران وزملاء ،ترجع لدافع بعينه في صراعنا المذهبي والعرقي ضد (الاغيار والاغراب) .. وما عسى يكون هذا الدافع ؟ انه الأنا الفردي – كمجموعة ردود افعال – صنيعة مخاوف واطماع ،تتبناها وتغذيها الانظمة المتعاقبة ، كعناصر (مفيدة) في السياسة والتجارة .. والمجتمع عموما هو المادة والساحة لهذا التبني والاستغلال .
والى الجذور :
ان غريزة الخوف من المجهول هي علة طلب الامان داخل جماعة، من ضمن القوالب والاشتراطات التي تمليها الجماعة ، ايا تكن هذه الجماعة ، دينية ، اجتماعية الخ .. الاشتراطات الاجتماعية "تؤمن" الامان النفسي البيلوجي ، والدينية "تؤمن" الامان النفسي الروحي ..ان لب كل صراع يقوم في الجماعة ،هو استمرار تأمين وجود طبيعي "نرمالي" للانا الفردي فيها ،لكل وحدة فردية في البناء الكلي لها ،حيث يأخذ هذا الكل بدوره شكله وطبيعته ، من الصراع الداخلي لكل فرد . ومعنى هذا ان علة كل اشكال الصراعات الخارجية والجماعية مصدرها علاقة غير سليمة للفرد مع نفسه اولاً ، باعتباره من جهته وحدة البناء الاؤولى المؤثرة في البناء الاجتماعي الكلي ..هذه العلاقة الجدلية بين الفرد والجماعة قائمة على الفهم الحسي الخالص،الذي لا يزال مسيطرا على البشر عموما منذ وجدوا ،ويفرض قوالبه ونماذجه في كل مجالات وجودهم وتطورهم ، حيث لا يمكن للانسان ان يعود " لجنته" التي هي ذاته الجوهرية ،الا اذا فك هذا الرباط – العفوي والارادي – مع الجماعة ،بدءا من فك الرباط مع نفسه المُدرَكة ضمن التصور الجماعي ،وذلك يمكن فقط في الكشف لجوهر وجودنا ،حين نتخلى عن الطلب النفسي التاريخي القديم، لمأمن (نموذجي) من خارجنا ، " كشخصية آمنة ومقبولة ومحترمة تجاه الآخرين ،وبالنسبة والمقارنة للآخرين" حين نقرر ان نواجه الحياة والموت بمفردنا وبانفتاح كلي على حقيقة الوجود المطلقة ،دون ارتباط بسلسلة مقدسات غيبية ، ودون تسلح بمعتقد موروث عن الآخرين ،ودون رجوع لمرجع – سواء شخص ، كتاب ، أو اي شيء،أي صنم .. ودون هروب لمخدر من اي نوع كان مادي او معنوي .. بل بتركيز للوعي شجاع هاديء كلي وبتنبه تام في طبيعة الذات ،لنتبين ان كل المفاهيم والتصورات – فردية وجماعية واقعية وغيبية – جميعها ينبع يجري ويصب في بحر واحد لا يتجزأ من الوعي ذاته ،حيث لا حدود ولا قيود له في هذا المقام ،وفيه كل ما نبحث عنه في "الخارج" سواء على المستوى العقائدي الديني ،والعلمي ، والاجتماعي .وحيث فقط في ضوئه الطبيعي البسيط ، يمكن ان نقيم علاقات عادلة وايجابية بيننا وبين انفسنا ،ثم بيننا وبين الآخرين .لأن طلب الكفاية النفسية يكون قد تحول الى مصدر كفايته الحقيقي وسكن فيه ،ولأن دوافع السلوك التدميرية فينا ،من جهة اخرى، التي هي الجهل والطمع والحسد والحقد والجور والطغيان واثبات الشخصية الزائلة ، تكون ضعفت واقتربت من الخمود والموت . كبقايا ظلال ، عندما تكون ظلمة الليل قد اختفت عند الشروق .
كميل فياض
.jpg)

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


