رَشح الكأس بقلم كميل فياض
2013-03-18 19:48:53

الحياة تجربة مستمرة دائمة لا انقطاع لها .. تجربة مثيرة مدهشة من الفها الى يائها .. وما السلبيات فيها من آلام واحزان ومكاره ومآسٍ ، سوى محركات ودوافع للتقدم فيها ،لمعرفتها  اكثر ، للكشف عن خفاياها ، لما يظهر منها لحواسنا وعقولنا ، ولما يستتر بتلك الحواس والعقول .. انها في ذاتها الفرح في ذاته ، الفرح الخالص الصافي ،الذي منه نشأت الاكوان : كواكب واجرام وافلاك ونجوم وشموس وعصافير .. كل من الكائنات يأخذ نصيبه وقسمه ، من البكتيريا والذرات غير المرئية ، حتى الانبياء والحكماء والرسل والمجرات .. وربما الشعراء والفلاسفة والعلماء يعيشون الحياة اعقد واعمق وابسط وادهش واقسى واغرب في آن .. ولسان الكشف يقول : ان الموت – مثلا – ليس ( فقط ) هو جثمان مسجى بين نائحات باكيات ، ليس فقط حزن ودموع وتأوهات وتوجع ، ثم حمل ونقل وصلاة وتعاز وترحمات ، ودفن وانتهاء في صوَر وذكريات .
لا ليس هذا هو الموت فقط وحصرا ً .. انه امور كثيرة اخرى ، لا اقصد منها هنا الانعكاسات الاجتماعية والسياسية وغيرها في كثير من الظروف والحالات .. بل بالذات ما له من السحر والفائدة والمعنى والفعل ،وفي اتجاه مختلف ،فيما يخفى على منطقنا الحسي السطحي وعلى مفاهيمنا وليدة ورهن ذلك المنطق .. فالموت جزء لا يتجزأ من الوعي والحياة ،او قل من وعي الحياة ، حيث لا انفصال ولا فرق بين الحياة ووعيها ،الا كما يوجد – ان وجد – ذلك الانفصال والفرق بين الشمس ونورها وحرارتها ولهبها وبقعها .. اننا اذ نعيش ونعقل بمنطق الحواس فقط لا نرى ولا ندرك سوى ما يحدث على السطح وعلى القشرة فقط ، لا نشعر الا باضطراب الامواج تحتنا في هذا الابحار العجيب فوق اوقيانوس الحياة غير المحدود وغير المتناه ،ولو غصنا باعيننا من السطح الى العمق – شرط الا ناخذ معنا وعلى كواهلنا همومه ومفاهيمه – لتبدلت وتغيرت كل مفاهيمنا .. وما الشك بسبب استعصاء الثنائية في الفهم والادراك ، بين عالمي الاعماق ،والسطح ،سوى مرحلة من مراحل التوسط ( الرمادي ) التي يعيشها الكاشف ويكابدها في مسار تحققه وذوبانه في المطلق .. وفي هذا الكشف والتحقق يسقط التعصب والتشدد والتشنج العرقي والمذهبي والديني والثقافي الخ .. فهي لعبة " شطرنج " تلعبها رياح الفكر على رقعة من سطح الوجود ، وهي اختزالات شمس في لهب قناديل وشمعات ، في بصائص يرقات داخل "عتمة كهف افلاطون " تتجاذب تتنازع وتتصالح على جدران الحواس .. ما الذي يفصل بيننا كائنات اشياء وعناصر .. والحياة ذلك الكل في كل شيء ؟ ما هي الاشارات والرموز التي تدعونا للتفكر والتأمل في حقائق الوجود الخفية عن الحواس الظاهرية ؟
يقال ان النخل حلقة وصل اخيرة رابطة وواصلة بين عالمي النبات والحيوان ، وفيه الذكر والانثى . ويقال ان القرد حلقة وصل اخيرة رابطة وواصلة بين عالمي الحيوان والانسان .. فما هي – ان صح ما سبق – حلقة الوصل بين عالم الانسان وعالم الاله .. او عالم الحياة المطلقة  الكلية ؟ قد يتبادر الى اذهان المؤمنين بالاديان "السماوية " ان تلك الحلقة هي الانبياء والرسل ، بينما يتبادر الى اذهان بعض الشعراء ان تلك الحلقة هي المرأة والاطفال الخ .. وربما نظر السكير الى الكأس والى الخمرة ، وصياد السمك الى السمكة والى الشبكة .. والرسام الى الريشة والاصباغ .. الخ  فكل والهاماته .. بيد اني اراها في العصافير والطيور والفراشات .. في ذوي الاجنحة ، وفي الاجنحة بالذات .. انها رمز العالم الروحي المطلق ،في العالم الحسي المقيد ، انها حلقة الوصل الحسية الاكثر انسانية وروحانية ، الاكثر إثارة وإشارة ودلالة للانطلاق  خارج الحدود وفوق الحدود .. ومن هنا بالتأكيد جاءت الرسومات التي تصور الكائنات الدينية الاسطورية من ملائكة وسواها في القرون الوسطى وما قبلها ، اطفال بأجنحة وخيول بأجنحة الخ .. فالاجنحة خُلقت لتقول لنا : انظروا بعيدا خارج عالمكم الارضي المقيد والمحدود ..ولتقل ان الوجود غير متناه وان الحياة خالدة .



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق