معرضُ الكتاب :همسة ٌ في آذان الآباء والأمهات بقلم : شريف صعب
2013-02-06 22:17:42

بقلم : شريف صعب – أبو سنان
 أريد في كلماتي التالية أن أهمس بعض الأمور الهامة في حياتنا ، والتي تشكل جزءاً عظيماً في وجودنا ذلك أن الهمس ، أحياناً ، له صدىً أقوى وأنفع من الصراخ ، وربّما كثرة الصراخ لا تجلب لمطلقها ولسامعها إلا الضرر !
كان إفتتاح معرض الكتاب يوم الثلاثاء 5/2/2013 في قاعات" بعلبك " في كفرياسيف العامرة ، وكنت واحداً من المدعوين الكثيرين ولقد أدهشني ، حتى ذرف الدموع ، ذلك المشهد العظيم لالآف الكتب الجاثمة في مواقعها ... وهي تنادي وتستغيث بنا ، متوسلة : " هيّا إحملوني الى قلوبكم وعقولكم !"
ما أدهشني أكثر ، ذلك الجمع الغفير للزوار من جميع صنوف المجتمع والمراتب . يا له من يومٍ مشهودٍ يشرح القلوب ويطفئ جمرات اللوعة ! ثم كان احتفال وكلمات لا أجمل ولا أبهى .. وكلها نادت الى الوعي والتثقف وكسب المعرفة والعلم والأدب والأخلاق . حقيقة ، لم أجلس في حياتي في مجلس ثقافي أو إجتماعي إلا ونادى بتلك الشعارات المبتغاه ، ولكن كيف الوصول الى ذلك يا تُرى ؟! إنني أسمع في كل مناسبة أن " أمة َ إقرأ لا تقرأ " وكلنا يلمس أن وضعنا لا يزداد الا سوءاً ، وللأسف فالجريمة مستشرية والعنف سائد والأخلاق في انهيار والفحشاء ، حدث ولا حرج !!
عودة الى معرض الكتاب فلا شك أنها مناسبة ذهبية للاطلاع على ما يكتب وما ينشر وتلك تكون أعزّ فرصة لشراء الكتب وادخالها الى بيوتنا والى حياتنا ، وهي ثمينة وتكلفنا مبالغَ طائلة أيضاً !
عندما يعود الاب او الام الى البيت مُحمّلين باصناف المستلزمات الحياتية ، يفرح الأبناء وتتغيّر الأجواء لأنهم يؤمّنون المتطلبات الحياتية الجسدية ، والأجمل من ذلك أن يعود الأهل الى البيت محمّلين بالغذاء الروحاني الفكري الا وهو الكتاب ، الا أنّه للكتب ثقافتها وثقافة التعامل معها فلا يجوز لنا ان نزور المعرض ونشتري الكتب ... لنضعها ، بعد ذلك ، على الرفوف فقط او لنفخر أمام جيراننا وأصحابنا بأننا " اشترينا " .
إن سرّ نجاحنا يكمن في بيوتنا وأجوائها وفي كيفية تربيتنا لأبنائنا ... وتوجيههم وتثقيفهم ، فكل شيءٍ يبدأ من البيت   والحكمة ، إذاً ، في تقسيم اوقاتنا وتعليم ابنائنا كيفية التعامل مع الكتب والمطالعة والاطلاع وعدم الانشغال بالأمور التافهة التي تشغلهم وربما تحرفهم الى الخطيئة والخطأ !
اذاً ليست الحكمة في شراء الكتب وتكديسها وإنما الحكمة في مصادقتها والتقرّب منها ... وفتحها وقراءتها بشكل منتظم وبتركيز ٍأكيد ، تام كي نستفيد منها ، حتى نستزيد علماً وثقافة ً !
إن البيت الذي لم تكن ثقافته المطالعة والدراسة عند الوالدين يستصعب الخوضَ في معركة تعليم الأبناء وتثقيفهم ، أكثر من بيت فيه والدان مُطّلعان ! وهنا على الأم ان تكون مطّلعة ، مطالعة كي تصبح مثلاً أعلى لأبنائها فهي صاحبة الحنان الأكبر .
حياتنا اليوم فيها كثير من الوفرة ، والخيرات مُكدسة في الأسواق ، إلا ان كل ذلك لا يعوضنا عن التوجه الى الغذاء الروحي ألا وهو الكتاب  وكسب العلم والمعرفة . ففي الماضي كانت الحياة شحيحة والفقر عند السواد الأعظم مُدقع ، عندها إنطمست
" شطارة " الكثيرين واندثرت مواهبهم ... ولم يكن في مقدورهم كسب العلم ... حتى ان أحد أصدقائي ، من إحدى العائلات الفقيرة يومها ، حدثني كيف ان أبوه كان يصرخ عليه في المساء أن ... يكفّ عن القراءة ... وأن يطفئ السراج ... حتى لا ينتهي النفط فيه وذلك... لتأمين الضوء للّيْلة المقبلة، فقليل من النفط ... يكفل قليلاً من الضوء الخافت، كان أهم وأعزُّ من أن يقرأ صديقي دروسه !!!
واليوم؟! اليوم لا ينقصنا أي شيء ولكننا ما زلنا متقوقعين ، نَتذيّل الأمم الراقية ، واحسرتاه !!
فهمستي اليكم أيها الآباء والأمهات الكرام في أهمية شراء الكتب ، لكم ولأبنائكم ، ولكن الأهمّ هو في مطالعتها وقراءتها بإمعان كبير وان لا نمر عليها مرّ الكرام أو نكدسها على الرفوف والخزائن ثم نتباهى بعد ذلك بأننا " كنا في معرض الكتاب ... واشترينا كذا وكذا ... !!" حرام عليكم وعلى أموالكم وأوقاتكم ! ان ذلك لأشبه بمن يشتري آلة ً حاسبةً... لا يجيد التعامل معها .  
ان الحضارة العربية هي أهم تراثنا الموروث ، ولكن الثقافة أهم منها بكثير . فالحضارة تتْبع للماضي ، أما الثقافة فهي دائمة ، ملازمة لنا في تفاصيل حياتنا اليومية ، متفاعلة بشكل دائم تتنفس فينا كالروح ونتنفسها ، والثقافة هي وحدها التي تُنبت الحضارة .
فالوعيَ الوعيَ ، والثقافةَ الثقافة َ! وما علينا الا ان نُرضعها لأبنائنا منذ الطفولة ... كحليب الأمهات .
ولمعرض الكتاب ولأصحابه أقول :
جاء " الربيع" ومعه معرض الكتب                مزركش ٌ بثياب العلم والأدبِ
في معرضٍ كجِنان الخلد فتنتهُ                      حضارةُ الفرس والإفرنج والعرب
طُوبى لكمْ فلباس المجد زينتكم                      صرحُ الثقافة فيكم دُونما عَجَبِ
أبو رفيقٍ بهذا الفكر زوّدكم                          نعمَ الصديقُ فبالمعروف كان أبي
أعطيتمُ الناسَ ذُخراً يفخرون به                     ويفخرُ الناس في أبطاله النُجُبِ 
إن الكتاب " لنورٍ يستضاءُ به "                      يبدّدُ الظلمة َ الظلماءَ ، مثل نبي
إذا إشترينا لنلنا نصف غايتنا                          وإن قرأنا بلغنا غايةَ الأرَبِ             

 
 
 


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق