اختفاء حلقة الوصل!! بقلم نزيه حلبي
2012-08-03 10:31:19

في ظل الظروف التي نعيشها اليوم، والمتمثلة بالتنافر بين فئات المجتمع وشرائحه المختلفة، وبسبب افتقادنا إلى قيادات دينية ودنيوية، وبسبب التباعد والتجافي بين فئات المجتمع وطبقاته؛ نلاحظ بأننا نفتقد إلى حلقة هامة جدا، قد تكون حلقة الوصل التي من شأنها أن تربط جميع الفئات والطبقات، وتعمل على تقريب وجهات النظر ورص الصفوف بين أفراد المجتمع التوحيدي.  
في الماضي تميز المجتمع الدرزي بتقسيمه إلى فئات ومراتب ودرجات دينية، سياسية واجتماعية. وكان لهذا التقسيم الفضل الكبير على استمرارية حياة الطائفة، بحيث حافظت الطائفة على وحدتها واستمراريتها على مدى العصور، وحافظ المجتمع الدرزي على مكانته ومراتبه المختلفة.
وقد تميز هذا المجتمع بوجود ثلاث فئات مركزية ترتبط فيها الواحدة بالأخرى، بحيث تعتبر كل طبقة منهم بمثابة حلقة وصل، تربط الواحدة بالأخرى. من هذا المنطلق، انقسم المجتمع الدرزي إلى ثلاث طبقات أساسية هي: طبقة الجهال (الجسمانيين) وطبقة العقال وطبقة الأجاويد. كذلك فقد انقسمت هذه الطبقات داخل نفسها إلى فئات ومجموعات أخرى، وخضعت جميعها لنظام داخلي يميز الواحدة منها عن غيرها.
فطبقة الجهال أو طبقة الجسمانيين – هم في الغالب الأشخاص العاديين الذين يعيشون لدنياهم، ولا ينتمون إلى طبقة المتدينين أو المحافظين، ولا يبحثون في الأمور الروحانية؛ بل تقتصر حياتهم على الأمور الدنيوية، فهم يتعاملون بأمور الدنيا وشؤونها، منعزلين تماما عن الشؤون الدينية، (تجدر الإشارة إلى أنهم بمثابة الدرع الواقي لرجال الدين).
أما الطبقة الوسطى فكانت تسمى بطبقة العقال، وقد تميزت هذه الطبقة بصفات ومزايا خاصة، فهي عبارة عن طبقة انتقالية منبثقة عن طبقة الجسمانيين ومرتبطة بطبقة الأجاويد، وهي بمثابة حلقة الوصل بين طبقة الجهال وبين طبقة الأجاويد.
والطبقة الثالثة طبعا هي طبقة الأجاويد أو طبقة المشايخ ورجال الدين الذين يكرسون حياتهم في عبادة ربهم، فهم منعزلين بصورة تامة عن حياة الدنيا، ولا يكترثون لما يدور حولهم، حيث يقضون جل وقتهم في عبادة ربهم والتعمق بالأمور الروحانية.
الحلقة المفقودة!!!
لذلك فقد تميزت الطبقة الوسطى بمزايا عديدة، وكانت لها انعكاسات كبيرة على حياة الطائفة الدرزية. لقد ضمت هذه الطبقة جميع الأشخاص التي تراوحت أعمارهم بين سن الأربعين وما فوق، وكانوا في الغالب من الفئة المحافظة والملتزمة، ومن الذين وصلوا إلى سن النضج، لكن لأسباب مختلفة، لم يلتحقوا بركب أهل الدين، إنما بقوا جسمانيين لكنهم محافظين. وقد تميزت هذه الطبقة بمظهر خارجي خاص دل في اغلب الأحيان على انتمائهم لهذه الطبقة.
لقد تميزت هذه الطبقة بزي خاص ولباس خاص، فكل فرد من هذه الطبقة قد "تزيا بالزي الكامل"، أي وضع على رأسه ما يسمى "بالطاقية" و"الحطة" وربى شاربه، وأحيانا ارتدى "القمباز" و"الشروال" وظهر باللباس الكامل. وكان لهذه الطبقة أهمية بالغة، حيث اقتصر دورها على الوصل بين طبقة الجسمانيين وطبقة الأجاويد. وعملت هذه الطبقة على تقريب وجهات النظر بين الطبقات المختلفة، وتميزت بمكانتها الاجتماعية الخاصة، لتقربها من الطبقات الأخرى ومن جميع أفراد المجتمع، لذلك فقد كانت هذه الطبقة بمثابة حلقة الوصل بين الفئتين. لكن مع الوقت اختفت هذه الحلقة ولم يبق لهذه الفئة أي ذكر، ومع اختفاء هذه الحلقة من حياة المجتمع الدرزي، حدث تشقق بين فئات الطائفة وأفرادها، الأمر الذي أدى إلى تنافر وتباعد باقي الفئات والحلقات المختلفة عن بعضها البعض.
لذلك فان ما تعانيه الطائفة الدرزية اليوم، من ظاهرة التنافر والتباعد بين طبقة الجهال وطبقة المتدينين، يعود في الأساس إلى افتقادنا لحلقة الوصل، أي طبقة العقال، لذلك نرى بان هناك تناقض وتباعد بين طبقات الطائفة.
ونشهد ظاهرة أخرى تتمثل في التشدد والتعصب، بدون تبرير واضح، من قبل رجال الدين؛ ونشهد ظاهرة تتمثل بالجهل الصارخ والانحراف عن طريق الدين وعن العادات والتقاليد من قبل طبقة الجهال، هذا الأمر ابعد المجتمع الدرزي عن بعضه، وأدى إلى تشققه وتنافره والى خلق حواجز كثيرة بين الفئتين. لذلك ومما لا شك فيه، فان هذا التحول قد اثبت مدى أهمية هذه الحلقة المفقودة، التي للأسف قد اختفت ولن تعود إلى الأبد!!     




المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق