صغار نريد أن نبقى للكاتبة دينا سليم
2012-07-23 16:38:08

اشعال النيران - طقس يجدد الحياة
أذكر عندما كنا صغارا تعودنا على إشعال النيران، وذلك إيذانا بقدوم ليلة عيد ما، تحتفل به الطوائف المسيحية، طقس اجتماعي متوارث وليس معتقدا دينيا، قفزنا وحلّقنا فوق النيران بكل جرأة، طرنا في الهواء ونحن نتلو ما يمليه علينا آباؤنا، بعض كلمات كانت كفيلة لتشبع رغباتنا في تطهير أنفسنا من ذنوب صغيرة اقترفناها خلال السنة دون أن نعي ذلك، كالقَسَم، الكذب، المراوغة، التكبر، إهانة وعدم احترام الآخرين، الأنانية، عدم التسامح، الاستهزاء والسخرية، خيانة الصديق، الاعتداء على حيوان متشرد، الخ من الأخطاء التي يعتبرها البعض خطايا كبيرة، تاركين النار تلتهم ذنوبنا، حيث يستمر القفز حتى نتعب ونتهالك، أذكر جيدا أننا كنا نعبث ونتضاحك سعداء.
طقس مفيد وحيوي استعمله القدماء لتفريغ النفس من أعبائها، أو هو نوع من أسلوب تطهير الذات من تعنتها، افراغها من العنف الكامن داخلها، وإعادة التوازن للنفس الخطاءة، بطرق شتى سميت ( تطهير العواطف  Catharsis)، طقس بدأه اليونانيين القدماء وتطرق له علماء النفس فيما بعد لأهميته القصوى لحفاظ النفس على توازنها التي تعاني من تدهور الشعور وتجردها من انسانيتها أحيانا.
والأهم من كل ذلك هو أننا كنا نبحث عن الأطفال الذين يعانون من مرض ما، نقربهم من  الحلبة ونشجعهم على القفز فوق النيران إيمانا منا ومنهم بالشفاء، لن أنسى هرولة الأطفال المساكين وهم يستعجلون الخطا، يتهيئون للقفز، يستجمعون قواهم وبدون تردد يعيدون الكرة عدة مرات وهم يتمتمون" خذِ يا نار مني المرض، احرقِ يا نار من داخلي المرض".
تدرون أنه ولا شك أن الأطفال لا يتقنون سوى العبث، وإن حصل وبدأت ألسنة النيران بالتصاعد نتسارع إلى إخمادها لكي نتدارك انتشارها، نشرع جميعا وبيد واحدة، نملأ أكفنا بالتراب، نتساعد ونتحد ضد انتشارها حتى نسيطر عليها تماما، وإن حصل ولم نستطع السيطرة  نتراكض منزعجين إلى صنابير المياه ومعا نقوم على إطفائها، وبعد أن نفرغ من المهمة، نذهب معا متشابكي الأيادي لتناول طعام العشاء على مائدة كبيرة اتسعت الجميع، حيث نصبت الألواح الخشبية العريضة على أعمدة مثلثة، عليها فرشنا الشراشف المصنوعة من النايلون الملوّن، نضع الصحون المصنوعة من مادة البلاستيك الأبيض، وأول شيء وضعناه في الصحون هو حبات البطاطا المشوية، والتي شويناها على النيران، اجتمعنا مع الآخرين بغض النظر إلى دياناتهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم، تقاسمنا اللقمة ونحن سعداء، هذه المراسيم  الجميلة علمتنا على الأصالة ودربتنا على أشياء هامة، مع أننا لم نكن ندري بأهميتها حينها، لكن عندما يعاودني التفكير في هذه الطقوس السنوية أفرح، وأبتسم مع نفسي وأنا سعيدة جدا لأنه من خلالها استطعنا دفن مراحل مظلمة من حيواتنا وبقلوب جميلة خرجنا بأفكار نظيفة، واستطعنا أن نورثها لأبنائنا الذين حذو حذونا فيما بعد.
وهنا في أستراليا حيث فتحت نوافذ العالم على وسعها، تنطلق الألعاب النارية معلنة بداية عام جديد، أو لكي تعلن عن فرح قادم، تحمل أمنيات زاهرة تشبه ألوان النيران الجميلة فنتمتع بها، تتألق وجوهنا مسرة وسعادة وسرور.
طقس اعتادت الحكومة اتباعه من أجل نشر الطمأنينة والسعادة في نفوس مواطنيها، الألعاب النارية تعلن إصرارها على إسعاد الناس، وبوضوح وبصراحة، وبحزم ترغم العابس التخلص من عبوسه وفتح باب قلبه، يا لها من رسالة جميلة!
لكن!
النيران في بعض البقاع بدأت تشعتل فلا تجد من يخمدها، بل تنتشر فتتسع لتلسع، تُحرق، تُؤلم تُميت فتبيد...
النار بداية تطور الإنسان والعالم، منها بدأ الاكتشاف والبحث، الإنسان القديم أشعلها لكي تحميه من الحيوانات المفترسة، نام في حضن الغاب مؤمِنا على نفسه، لقد استخدمت للإعلان عن الوجود، منها بدأ مصدر التغيير والرقي والحضارة، وأهم شيء أنها استخدمت أيضا للسمر والتسلية، للسحر والجمال، الحب والتشبث، التأمل والتفكير، التطور، وحتى النبوغ!
النار عنصر هام ، دخل في حياتنا الإجتماعية وثقافات الشعوب من قديم الأزمان، لكن ما يحدث الآن شيء مغاير جدا بعد أن سقط الإنسان من مستوى الكمال، إنه أرقى من أن يُقتل، لقد كانت إرادة الله غير عشوائية بالخليقة، فخلقنا على صورته بهيئة إنسان متكامل راق، وتطورت الحياة من جهل إلى علم وحتى الكمال المُطلق، الكمال المطلق؟...أين هو الكمال المطلق...أين...اعذروني لأني سأتوقف هنا....
                                                                  



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق