الشيخ الدكتور فايز عزام تأهيل وزفاف لم أكن سأكتب هذا الكلام، لو لم اسمع من الناس من مختلف الفئات والقرى والأعمار ومن العقال والجهال، شكوى وتذمرا وتخبطا وإحباطا. الكل يفتش عن حل وعن مخرج وعن معين، ولا معين إلا الله المعين. ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والمشكلة توضح وتختصر بالصورة التالية: صار في قريتنا عرسان: عرس تأهيل لمسلم عربي درزي. وعرس زفاف لمسلم عربي سني. بعد عرس تأهيل الدرزي بمشاركة المشايخ، أقيمت حفلة موسيقية شبابية في قاعة خارج القرية، ضجت بالموسيقى الصاخبة، والخلع والرقص وهز البطون والخصور وغيرها. وسُكبت وكُرعت أنواع المسكرات وارتفعت سحابات السجاير والنارجيلا، وحدث هرج ومرج وخلط وبلط. وبعد ان تسلطن المشاركون حتى ساعات الفجر، عادوا برؤوس دايخة، ولكن بحسنة مين! الهر لطف، ولم تحدث حادثة. هذا، بعد تبذير أموال أصحاب العرس والمدعوين الذين تثقل كواهلهم وجيوبهم هذه الحفلات، بعد حفلة التأهيل. فصار العرس عرسين والتكاليف ضعفين. وفي عرس زفاف المسلم، اجتمع الناس في ساحة الدار وصدح البوق بكلام حلو، حث على الكرم والشجاعة، وبطولة سلطان الجبل، وأبهة المختارة، ومكارم بني معروف، ونشر المحبة والإخوة، وذكر مناقب الحاضرين: حسبهم ونسبهم. ولعلع صوت الحادي بأهازيج تراثية تذكّر بأمجاد الماضي ومكارم الأجداد. وأصطفت دبكة وسحجة، وطرب الناس باحتشام: لا اختلاط ولا خلع ولا سكر ولا تكاليف ولا ومصاريف باهظة. فأيهما أفضل؟ وأقل تكاليف؟ واقل خطرا وانحرافا؟ وأكثر حشمة.؟ واحفظ للدين والشرف؟ بعد هذا الذي حدث ويحدث كل يوم أسبوع نسأل: متى بدأت موجة احتفالات الرقص في القاعات؟ وما السبب؟ ومن المسبب؟ وما العمل؟ وما الحل؟ ومن بيده الحل والإصلاح؟ يوم منعت الأفراح التقليدية، تعلم الناس الابتعاد عن قول الحقيقة. يكتبون في الدعوة تأهيلا، وينوون ويفعلون زفافا. أليس في ذلك جر الناس إلى ....؟! يوم ذهبت الأفراح التقليدية حل محلها حفلات القاعات. إن مَن منع الأفراح التقليدية، ظن بنية طيبة أن الناس تعتاد التأهيل. ولم يكن يتوقع ان يأتي بدله ما هو اشر منه. النية طيبة لكنها لم تف بالمرغوب. والطبيب الحاذق إذا لم تنفع وصفته للمريض يصف له غيرها حتى يشفى. ان الطبيعة يحكمها قانون: استحالة الفراغ. فان فرغ حيّز من مادة ما، ملأت الحيز مادة أخرى. وهكذا في الحياة الاجتماعية ان ذهبت عادة احتلت مكانها عادة أخرى. فان منعت شيئا فأعط بديلا مناسبا ينوب عنه ويملأ الفراغ الناجم. وإلا فالطبيعة تملأه كما تشاء، شئت ان أبيت. الشرع يقول إن لم تجد أكلا حلالا محضا، تستطع ان تأكل حلالا مشبوها، أفضل من ان تأكل حراما. الدين يسر لا عسر. خلق الله الإنسان، وبحكمته خلق فيه غرائز: منها غريزة الجنس والتملك والطرب. شرعنت الأديان غريزة الجنس بالزواج الحلال، منعا للحرام، إلا من عصمه الله. وشرعنت غريزة التملك. ولم تستطع الشيوعية، خلال سبعين عاما، القضاء على هذه الغريزة، رغم وسائل الكبت والإقناع. وغريزة الطرب يجب شرعنتها. لأن كبتها ضد الطبيعة البشرية وكل شيء مناقض للطبيعة يؤدي الى عواقب لا تحمد. والدليل على ذلك ان المدائح النبوية والأشعار الدينية في كل الديانات جاءت استجابة لهذه الغريزة. ما دام الامر غير مقبول والوضع غير سليم، كما بينا أعلاه. فهل يجوز ترك الأمور على غواربها؟ أو يجب وضع حلول لها ترضي الله وتريح الناس. وعلى من يقع عبء تصليح الوضع القائم؟ أهم الشباب؟ أم النساء؟ أم المشايخ؟ أم الوجهاء؟ أم المثقفون؟ أم أن هذا الوضع أنزل من السماء؟ أو انه من عمل أيدينا.؟ وهل لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا؟ أو ما يصيبنا هو من سو عملنا؟ لو صرف المشايخ الإجلاء من وقتهم وجهدهم وتفكيرهم وعقلهم، بعض ما صرفوه على قضية تخليد ذكرى المرحوم الشيخ أبو محمد جواد، لوجدوا الحل لهذه القضية أو اقتربوا منه. ولو صرفت القيادة السياسية والعقال من رجال الدنيا بعضا مما صرفوه من قواهم العقلية والكلامية في نقد الشيوخ ومعارضة وموافقة أصحاب هذا الرأي أو ذاك، وعلى التحليلات والتعقيبات، لوجدوا هم أيضا حلا أو شاركوا في وجود الحل. ولو تشاركت الفئتان والزعامتان والقيادتان الدينية والدنيوية لاستطاعوا وضع حلول أو بعض حلول. ان إلقاء المسؤولية في كثير من مشاكل الطائفة، وفي هذه المشكلة بالذات، على عاتق رجال الدين فقط والاتكال عليهم و انتظار الحل منهم وعلى أيديهم، يشل فكر العلمانيين، ويحمّل رجال الدين وحدهم عبء مصير الطائفة، وهو تهرب من العلمانيين في تحمل المسؤولية والمشاركة في اتخاذ القرار. ان الحل الذي يطرحه العبد الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، الطالب صفو الخاطر من الإخوان والمولى القدير، هو العودة إلى التراث، إلى تراث الآباء والأجداد. وإعادة عرس الفرح التقليدي، بما فيه من زفة وحداية وزجل، الملتزم بالحشمة والأدب وعدم الاختلاط. بدون قاعات رقص وبدون مسكرات وبدون مصاريف باهظات. أقترح العودة إلى العرس الذي كان متبعا عند أهلنا وأجدادنا. ورفع خاطر البعدة ممن يحضر العرس التقليدي ويشارك فيه. فإن أجدادنا المشايخ لم يكونوا أقل تدينا ولا اقل تقوى من مشايخ اليوم، الذين يعارضون العرس التقليدي. وليس مشايخنا في هذه البلاد أكثر وعيا وتقوى من رجال الدين في جبل الدروز. أعيدوا إلى العرس الأوف والميجانا والشمالية والشعراوية والمجوز والشبابة، فهي لا تمس بالآداب ولا الأخلاق. أعيدوا للنساء عرسهن المنفرد المحتشم الأديب البسيط وأغانيه الخاصة. فليس أخوات اليوم اعقل من أمهاتنا وستاتنا. هذه دعوة إلى المجلس الديني الموقر. وإن كان المجلس الديني لا يستطيع أن يتخذ خطوة جريئة وبسيطة كهذه، على حد قول بعض أعضائه، لحساسية الموضوع ولتركيبته المعقدة، ولوجود بعض الإخوان الذين لا يعون الواقع ويتمسكون في رأيهم ويقولون: عنزة ولو طارت." فعلى سواس الخلوات والمأذونين في عسفيا، وهم من المشايخ الأتقياء الذين عاركوا الدهر وعركوه، ومن الشباب المثقف الواعي الذين يعيشون مشاكل الناس وهمومهم ويشاهدون ما يجري حولهم ويرون الهاوية التي نسير نحوها، ان يتخذوا موقفا وعملا يوفق بين الدين والشرف والفرح. ولكي لا يقع العبء على السواس والمأذونين وحدهم. فعلى كل رجال ونساء الدين في عسفيا ان تكون لديهم الجرأة بإبداء رأيهم ورفع صوتهم معا، ليس على انفراد، وعاليا ليس همسا وخافتا. حتى يكون القرار موحدا وجماعيا ومتفقا عليه. وعلى الزمنيين أن يبادروا باتخاذ موقف، ويشاركوا في وضع صيغة مقبولة، وألا ينتظروا الفرج من عند رجال الدين فقط. فالأمر يهم جميع قطاعات الطائفة. يجب اتخاذ هذه الخطوة بأسرع ما يمكن، قبل ان نرى ما هو أصعب واخطر. لأنه إذا لم تتخذ القيادة زمام المبادرة الواعية، ستبرز قيادة غيرها قد تقودنا إلى ما هو أمرّ، لان الوقت لا ينتظر أحدا، والمركبة التي تتدحرج ستزيد سرعتها، ان لم نوقفها قبل فوات الأوان. وقد فات كثيرا. وإذا لم يكن مشايخ عسفيا ورجالها وقياداتها الزمنية على قدر المهمة، وقدوة. فأتمنى ان يقوم في قرى أخرى عقلاء الدين والدنيا، ممن لديهم الهمة والرؤيا، بهذه الخطوة. فقد قال المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ربي افتح عقولنا، وصف نياتنا، ووسع صدورنا، وأزل الغشاوة عن أبصارنا وبصائرنا، وقدرنا ان نميز بين الغث والسمين والجوهر والعرض، واجعلنا ننطرح للحق ونعترف بالخطأ، وقدرنا على قول الحق وخدمة الناس ومصالحهم. ارجو ان لا أكون قد أغضبت هذه المرة أولئك الذين لا يتقنون إلا الغضب. أما عن النقل والأكل والسهر طيلة أسبوع كامل، وإقامة أهل العريس حفلة عشاء، وأهل العروس حفلة أخرى، وتجييش المدعوين. فحلها سهل ان صدقت النوايا. ان الله في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه.
.jpg)

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


