إشكالية المعرفة بين الطالب والمطلوب عرفانيًا بقلم كميل شحادة
2012-06-13 00:02:10

العود الى الموضوع العرفاني التجاوزي دائما من منطلق حقيقة القول المأثور :
"إذا عُرفت الحقيقة تعبّدها العارف وتملكته" .. على ذلك ان المعرفة هنا تجربة وتجريب وذوق ووجد ومكابدة وتحقق، ليس مجرد معلومات وافكار وتحليل واستنتاج .. وهي مباشرة دون وسائط ودون استعانة بوسائل ، باعتبار كل وسيط حجاب وكل وسيلة حؤول ..مهما كان الوسيط مقدسا في نظرنا ومهما كانت الوسيلة نزيهة مجردة .. فهي مُفسِدة مُعطلة غير موصلة .. ان استنفاد كل الطرق والتقنيات والوسائل والوسائط في عملية التحقيق ، يؤدي الى الادراك بأن جميعها لا يفيد ، بل عمليا تشرق الذات فور غياب  جميع الوسائل والوسائط في هذا المقام ..  وفي الحقيقة ان خلاصة جميع الوسائل والوسائط ،التي هي حوائل هنا تتمثل في تفكيرنا نفسه ،بغض النظر عن مضمون التفكير .. والفرق بين طلب الحقيقة وبين طلب الأغراض والأشياء والمعلومات ،هو في ان طلب الأغراض والاشياء والمعلومات يحتاج الى أشياء وأغراض ومعلومات سابقة ، كوسائل نحصل بها عليها – سواء نظرية مجردة ام مادية ملموسة – قراءة كلمات أو دق مسامير.. وفي المثالين الأخيرين  انت تحتاج لسلسلة من وسائط وافعال حتى يتم لك طلبك .. حواس، اعضاء حواس، افكار، عضلات ،اعصاب، مخ، ضوء، طاقة، تفاعلات كيماوية، وتبادل ردود واستجابات لا ارادية وارادية ..  انها وسائل متممة موصلة محققة .. فهل الامر كذلك مع كشف الحقيقة – حقيقة الذات او حقيقة الوجود وهي نفسها -  ؟  ليس كذلك ولذلك قيل ان كشف الحقيقة يشبه الموت ،لكن بمعنى عكسي تماما ،فهو سكون تام لكل عناصر الوعي والشعور المختزلة والمتحولة عن الله فينا ،الى مفاهيم نسبية ضدية بشرية .. كمياه  البحر حين لا تعد تبرز تموجات ،ولا حتى   موجة واحدة .. حين يصبح البحر كتعبير صيادي السمك : (بلاطة) .. حينها يدرك الموج ذاته ككل البحر ..اي بمعنى ان الحقيقة لا يدركها العارف الا حين يهدأ فيه الفكر حتى يختفي ولا يعد له أثر ،فلا  تعد تستقطب وعيه  فكرة واح ، فيصبح جزء مباشر من الحقيقة الكلية ، بل هو هي كليًا  ..   حيث لا يُعد موجودا .. وهذا هو معنى القول " من يُضِع نفسه يجدها " ثم بعد الكشف والاستنارة والتحقق وحين يعود للوعي العادي ،يفهم الطالب ايضًا ان الكل هو الحقيقة هو الله .. كل ما يرى ويلمس يشعَر يتخيل ويفتكر .. فالمعرفة تتحقق بالنفي السلبي لأي جهد في سبيل المعرفة ، حتى تظهر في كل شيء ككل شيء وليس مثلها شيء في آن ..فانت كفكر يجب ان تصمت حتى تمكن الذات من الاشراق والظهور فيك ، باعتبار الفكر حجاب ثرثار متناسل منقسم ومتكاثر في شتى الصور والاتجاهات ،وهو يترك دائما انطباع في الوعي انه هو الوعي ، بينما هو من الوعي كالدخان من النار ،صادر عنها لكنه لا يعكس حقيقتها ..  ان البلبلة والتشتت بين مفاهيم ومصطلحات واسماء واستعارات متعلقة بحقيقة وجودنا المطلقة الواحدة ،يُحدثها ويسببها الفكر في عقول المؤمنين والمفكرين ، وفي عقول طلاب الحقيقة غير المستنيرين ،فيجعلهم يميزون على غير هدى بين تلك المفاهيم والمصطلحات ،كمجالات ومعان واقانيم ومستويات مختلفة ومستقلة في ذات الحقيقة ، كالله ،الوعي ،النور ، الملكوت ،سبب الاسباب ،المطلق ،وغير ذلك .. وكانه – اي الفكر -  فسيفساء ملونه شفافة ،ينظرون عبرها الى أحدية الوجود ،فتتحول في نظرهم الى ما تحمله تلك الفسيفساء الذهنية من صفات وأسماء وكنايات واستعارات وتشبيهات الخ.
ولذلك فان الاشراك في جوهره العرفاني التجاوزي ، ليس في ان  تعبد مع الله إله آخر – وأنت لا ترى الله أصلا -  بل هو الا ترى في الوجود إلاه ،بحيث يغيب الفارق الوهمي السيكلوجي بين (الأنا والهو) حتى ينكشفان كمجرد تعبيرين فارغين من معناهما الموضوعي .   وهو التوحيد الحقيقي .  بينما الاشراك في هذا المستوى هو في ان تتعلق نفسك بأغراض هذا العالم او اغراض الآخرة ،دون طلب الحقيقة .وهذا الاعتبار يجعل التوحيد ليس مجرد اعتقاد ،بل صراع جدلي يومي في سبيل التخلص من التعلق ومن ترسباته وتراكماته المتكونة عبر الاجيال الماضية ،كي يتحرر الوعي ويجد طريقه في ذاته من ذاته بذاته لذاته أخيرا .

 



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق