المرأة كوكب يستضاء به لدى الشعراء بقلم طه دخل الله عبد الرحمن البعنه
2012-05-13 09:52:14

ترددت كثيرا في اختيار اسم من الأسماء الكثيرة التي تراءت لي أثناء تثبيت العنوان الخارجي لسؤال : لماذا كل من يكتب الشعر يتحدث عن المرأة ؟
ذلك لان العنوان هو أول ما سيقرع السمع ويجذب النظر لأنه سيضطلع بمهام حاسمة تجعل السادة القراء يفتنون به أو التطاير منه ،لذا واجب أن يكون العنوان مختارا بدقة معسول اللفظ يثير شهية القارئ ويدغدغ مشاعره ويحرضه على الإقبال للقراءة ،فهو بمثابة نواة إخبارية عن محتويات النص والقضايا المعالجة .
وقع الاختيار على العنوان أعلاه لان المرأة هي الشعر وليست ملحقة به أو مضافة إليه أو هامشا من هوامشه  .
كل شعر كتب , أو سوف يكتب , مرتبط بالمرأة , كما يرتبط الطفل بحبل المشيمة , وأيه محاوله لفك الارتباط بينهما .. تقتل الطفل والأم معاً.
الشعر يجد في المرأة مرضعته ,وحاضنته , وأنثاه , وبالتالي فهي تؤكد ذكورته وفحولته .
والمرأة تجد في الشعر رجلها , وبطلها وصانع مجدها وأطفالها وحامي أنوثتها من الذبول والانقراض .
لا يستطيع الشعر أن يكبر.. ويترعرع .. ويقف على قدميه دون المرأة .
لا تستطيع المرأة أن تغوي  وتفتن  وتلعب بالعالم على أصابعها  إلا إذا كان الشعر رفيقها  وحبيبها.
إذن فالمرأة والشعر يكملان بعضهما ، هي نقطة الاشتعال والتوهج والمادة الأولية للإبداع  وهو يجملها ويعطرها ويحفظها من التبدد والاندثار .
للمرأة دور هام في الشعر، ولأنها تعتبر الملهمة لدى الكثير من الشعراء، فهي بالتالي تدخل كعامل هام في بناء النص الشعري.
المرأة وهي كذلك أخذت الجزء الأكبر والهام من فكر وعقل الشاعر، والأكثر من ذلك أخذت الجانب الأكبر من أحاسيس الشاعر ومشاعره التي تتركز في مجملها في تلك المرأة.
الشعراء القدامى أعطوا المرأة حقها من مشاعرهم في كتابة نصوصهم الشعرية من خلال بنائهم للنص الشعري الذي تارة يستعرضون فيه محاسنها ومفاتنها وتارة أخرى يستعرضون فيها آلامها وجراحها وأخرى يصورون فيها مدى ألمهم لحبها المشوب بالألم والفراق والهجر ومن ثم ألمهم لما قد يحدث لها من أزمات ومآس مختلفة، وهنا نجد الدور البارز للمرأة في تلك المشاعر والعاطفة لدى الشاعر وكثيراً ما قرأنا لشعراء قدامى أبدعوا في تلك المشاعر التي كانت بسبب المرأة والتي أخذت منهم جل الاهتمام. وعندما نستعرض قصص المرأة في الشعر، لوجدنا بأن هناك علاقة مباشرة بين المرأة والشعر، تكاد تكون علاقة متصلة تماماً، لأن الشاعر بدون المرأة لا أعتقد بأنه سيكتب نصاً شعرياً عاطفياً فيه صورة وجدانية أو حب وهيام لأن المرأة بطبيعتها تثير وجدان وعاطفة الشاعر، فقديماً وجدنا من خلال ما أوضحته بعض المصادر في تلك القصص أن المرأة هي العامل الرئيسي في ما قرأناه من نصوص جميلة وعذبة تأخذنا إلى عالم من الجمال خصوصاً في الوصف والتصوير سواء للألم والحزن أو للحب والهيام، والأجمل من كل هذا هو مدى ما نلمسه من مصداقية في تلك القصائد التي هي نابعة بالطبع من جمال الطبيعة والبيئة التي نشأ فيها الشاعر وتلك المرأة التي محور الحديث، إضافة إلى ذلك نجد أن المرأة بطبيعتها شاعرة وكثيراً ما قرأنا نصوصاً مبدعة لبعض الشاعرات اللاتي أبدعن حق الإبداع في صياغة تلك النصوص الشعرية والتي تتراءى فيها مصداقية المشاعر التي هي بالطبع ناتجة عن مدى صدق الأحاسيس التي بها قمن بصياغة النص الشعري المبدع.

مع بداية الخمسينات من القرن الماضي بدأتْ حركة التحرر العربية تـشق طريقها بخطوات سريعة لتحقق الانتصار تلو الآخر ، تترافق مع تغيرات كبيرة في مجمل الوعي العام العربي و الإيديولوجيات السائدة وقتها والتي تمثلت بالدرجة الأولى في الوعي بضرورة التغيير ، ونشأت تبعاً لذلك قضايا عديدة على الساحة العربية كانت تعني في مجملها تحقيق الوحدة العربية و النهضة والعدالة الاجتماعية وما إلي ذلك .
وفي إطار هذه القضية وخِضم هذه المشاريع المتنوعة كان لقضية المرأة موقعاً مهماً من حيث إعادة النظر في دورها في المجتمع و المساحة المتاحة لها للتعبير عن نفسها و علاقتها بالرجل ، فأخذتْ مختلف أطراف الطيف السياسي و الفكري تدلو بدلوها فيما يتعلق بتصورها لحل قضية المرأة .
ولأن الشعر هو أعرق الفنون عند العرب علي الإطلاق ، فقد شكل جهة لصراع الأفكار و الاحتمالات التي ظهرت علي الساحة السياسية العربية ، وكانت المرأة في هذا الوقت قد بدأت في الدخول إلي عالم الشعر بشكل يختلف عن الصورة التقليدية التي عرفت عنها في الشعر العربي ، إذ أن المضمون كان يعني حرية المرأة وتحقيق المساواة.
طاف الشعراء في هذا المخلوق الشفاف المرهف ،لذا لا بد من وقفة تأملية عند بعضهم من منظور إلهامه ورؤيته .
فعند أمل دنقل  
الشاعر اليساري الراحل الذي انخرط في مسيرة الحداثة الشعرية العربية في ظل تلازم واضح بين الهم السياسي و الهم الإبداعي لتغدو الكثير من قصائده علامات فارقة في الحداثة الشعرية ، ورغم ما تميز به أمل دنقل من وعي بدا جلياً في تناوله لكافة ما أحاط به من صرا عات . إلا أن تناوله للمرأة في أشعاره لم يرق إلي نفس درجة الوعي وقد أرجع النقاد ذلك إلي كونه لم يستطع التخلص من جذوره الريفية التي تعتبر المرأة مصدر للغراء وحسب رغم ظهور الحبيبة الطاهرة المقدسة في أشعاره وهي الازدواجية التي يعاني منها الرجل الشرقي يقول أمل :

يهتز قرطها الطويل
يراقص ارتعاش ظله
على تلفتات العنق الجميل
و عندما تلفظ بذر الفاكهة
و تطفئ التبغة في المنفضة العتيقة الطراز
تقول عيناها : استرحْ
و الشفتان شوكتان

تقتصر صورة المرأة في قصائد شعراء المقاومة على صورة أم الشهيد أو أخت الشهيد أو في الصورة المثالية التي استخدمها شعراء المقاومة كثيراً و هي صورة المرأة الوطن ، و على الرغم مما امتلأت به هذه الاستخدامات من جماليات لا متـناهية لكن ذلك لا يمنعنا من انتقاد شعراء المقاومة في عزوفهم عن تـناول المرأة كامرأة بصرف النظر عن أي اعتبار آخر ككائن له مقوماته الإنسانية وخصوصيته الأنثوية ، و كأن ردّ الاعتبار إلى المرأة و منحها موقعها الصحيح يتطلّب الانتظار ريثما تُحرَّر الأرض المحتلة .


كما يقول الشاعر سميح القاسم في قصيدته" ليلى العدنية"
شاءها الله شهية !
شاءها الله .. فكانتْ .. كبلادي العربية !
شعرها ليلة صيفٍ بين كثبان تهامة
مقلتاها ... من مُهاةٍ يمنيه
فمها ... من رطب الواحة في البيد العصيّة
عنقها زوبعة بين رمالي الذهبية
صدرها نجد السلامة
يحمل البشرى إلى نوحٍ ،
فعودي يا حمامه !
و لدى خاصرتيها بعض شطآني القصية
شاءها الله كبلادي العربية !
نكهة الغوطة و الموصل فيها .
و من الأوراس .. عنف ووسامهْ
و أبوها شاءها أحلى صبيهْ
شاءها اسماً و شكلا
فدعاها الوالد المُعجَبُ ليلى
و إليكم أيها الإخوان ... ليلى العدنية !


في شعر محمود درويش
وحين يذكر الشعر المعاصر نذكر علي الفور شاعرنا الكبير محمود درويش الذي استطاع بسبب عدة عوامل تعرض لها وبسبب زخم التجربة التي مر بها من إسار الهدف النضالي بمعناه المفروض فرضاً على القصيدة و بمعناه الإيديولوجي لتصبح قصيدته قصيدة الإنسان بالدرجة الأولى .
وفي شعر محمود درويش سنجد أن صورة المرأة تطورتْ تدريجياً لديه منذ بداياته التي كان تناوله فيها للمرأة التي لا يختلف مع ما ظل سائداً ، والعديد من النقاد يعتبرون محمود درويش شاعر شديد التميز في قصيدة" شتاء ريتا " والتي يقول فيها :
 ريتا تحتسي شاي الصباحٍ
و تقشّر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ،
و تقول لي :
لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبولُ
و الحرب ليستْ مهنتي . و أنا أنا . هل أنتَ أنتَ ؟
أنا هوَ،
هو من رآك غزالةً ترمي لآلئها عليه
هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير
هو من رآنا تائهين توحّدا في السرير
و تباعدا كتحية الغرباء في الميناء ، يأخذنا الرحيلُ
في ريحه ورقاً و يرمينا أمام فنادق الغرباءِ
مثل رسائلٍ قُرِئتْ على عجلٍ ،
أتأخذني معكْ ؟
فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخذني معكْ
فأكون ثوبك في بلادٍ أنجبتكَ ... لتصرعكْ
و أكون تابوتاً من النعناع يحملُ مصرعكْ
و تكون لي حياً و ميتاً ،
ضاع يا ريتا الدليلُ
و الحبُّ مثل الموت وعْدٌ لا يُردُّ ... و لا يزولُ



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق