"الاصطياد في المياه العكرة" بقلم: ربيع إبريق-أبو سنان
2011-07-20 11:10:52

الاصطياد فن جميل،  يستعمله البعض منا كهواية بينما  يكون بالنسبة للآخرين مهنة يكسبون منها رزقهم وقوتهم. هذا الفن المميز يُعلّم الإنسان الصبر والتحمل والتأمل والشفافية ، وهي أيضا لحظات يختلي فيها الإنسان بنفسه ويبتعد عن هموم الدنيا ومشاكلها ومتاعبها ، وكلما اصطاد الصياد أسماكا أكثر كلما  زاد شعوره بالغبطة والفرحة ، لأن في ذلك دلالة على إتقانه هذا الفن الجميل...

عندما يمارس الصياد  مهنة/هواية الصيد تكون المياه عادة صافية ، وهذا دليل على الشفافية التي تُميز هذه المهنة/الهواية ، وغالبا ما يُشاهد السمك الصنارة ويُلاحظ الطُعم الموجود فيها ، لذلك يبتعد عنها.

ولكن هنالك نوع  من الصيادين المكارين المحتالين الخبيثين الذين يبتعدون في صيدهم عن الشفافية ، ويُعكرون المياه بأنفسهم فيقترب السمك من الطُعم ويبلعه ، دون أن تراوده  الشكوك بسبب انعدام الرؤيا ،  فالسمك في المياه العكرة لا يرى جيدا ولا يستطيع المناورة في السباحة ، فيكون اصطياده سهلا...

هكذا الوضع في بحار الكون وأنهاره ، وللأسف هكذا أضحى الوضع في بحار حياتنا وفي أنهار  زماننا ، لأن العديد من بني البشر  أصبحوا يتقنون هذا النوع من الصيد - " الاصطياد في المياه العكرة ".

فعندما تحدث مشكلة  مُعينة بين طرفين  نجد أن أبناء المجتمع يتصرفون بعدة أنماط  سلوكية : القسم الأكبر منهم يبقى متفرجا ، ينظر بنوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث لما حدث – من منطلق بأن هذا الخلاف لا يعنيه ولا يخصه ، لذلك يُفضل البقاء بعيدا ، مُحايدا ،لاعبا دور المشاهد.

القسم الثاني من الناس  –وهم الأقل عددا- يحاولون ويجتهدون من أجل إصلاح ذات البين بين الطرفين المتخاصمين ، داعين إلى تحكيم العقل وإلى التسامح والتقارب وفض النزاع بين الأطراف المتخاصمة .

أما القسم الآخر والأخير ، وهم الأشد خطورة - وللأسف فهُم في تزايد مستمر ومقلق- هم أولئك الذين يحاولون الاصطياد في المياه  العكرة ، بمعنى أنهم يُحاولون استغلال الظروف لصالحهم ويعملون على تخريب العلاقات بين الطرفين وعلى تأجيج نار الفتنة . مما لا شك فيه أن هؤلاء يتصرفون بدوافع غير سليمة وبنوايا غير بريئة ، محاولين التسلق واستغلال الفرصة  للحصول على مآربهم. إنهم يتقربون من هذا الطرف تارة ومن الطرف الآخر تارة أخرى، عاملين- جاهدين على تضخيم الخلاف بين الأطراف ، وعندما يشاهدون بأن "المياه" تميل إلى النقاء والصفاء وإذ بهم يعملون مرة أخرى على تلويثها وتعكيرها وتوسيخها ، كيف لا وهُم لا يستطيعون زرع الفتن وحصد الشقاق ودبّ الخلاف إذا مالت تلك "  المياه" إلى النقاء وتخلصت من تعكيرها .

وما يُثير الدهشة بأنّ العديد منا يقع طُعما في صنارة  هؤلاء "الصيادين"  المكارين ، فننجرف وراء مكرهم وخداعهم دون أن تكون لدينا القدرة على المقاومة وعلى اكتشاف خداعهم ومكرهم ودسائسهم الخبيثة ، فبينما تكون الأطراف المتنازعة غارقة في جو مشحون من الضغينة والكراهية التي يحملها كل طرف للطرف الآخر – نجد أن ذاك "الصياد" يستمتع بصيده وبنجاحه على نشر الفتنة والتنافر بين المتخاصمين...

علينا ، إخواني،  أن نكون أشد حذرا عندما نتعامل مع هؤلاء "الصيادين"، حتى لا نكون طعما في صنارتهم ، فيضعونا في سلة  صيدهم ويستغلونا من أجل تنفيذ  مآربهم وأهدافهم المقيتة ومصالحهم الدنيئة  ، ولكي ننجح في ذلك علينا الابتعاد دائما عن المياه العكرة والتواجد فقط  في المياه العذبة النقية.

                                *****  

 



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق