وئام وهاب والخطأ الكبير... حين يتحوّل التضامن مع السويداء إلى وصاية انتخابية
✍️بقلم: زايد صالح خنيفس✍️
الوزير اللبناني السابق وئام وهاب، رئيس حزب التوحيد العربي، ليس وجهًا جديدًا في المشهد السياسي اللبناني، ولا شخصية عابرة في معادلاته الطائفية والسياسية. فهو معروف بمواقفه السابقة المؤيدة لنظام بشار الأسد، وعلاقاته الوثيقة بحزب الله، ومعارضته الشرسة للزعامة الجنبلاطية، ممثلة بوليد جنبلاط، الزعيم التاريخي للحزب التقدمي الاشتراكي.
وقد برز حضور وئام وهاب الإعلامي والسياسي بصورة لافتة عقب المجازر الدامية التي شهدتها محافظة السويداء وقرى جبل الدروز، وما رافقها من عمليات قتل على الهوية، وخطف، وحرق للمنازل، واعتداءات مروعة نُسبت إلى مجموعات مسلحة متطرفة وقوى مرتبطة بالسلطات السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، المعروف سابقًا بالجولاني.
تلك الأحداث تركت جراحًا عميقة في وجدان أبناء الطائفة الدرزية، وأثارت اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم ذات طابع طائفي، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مصيرية تتعلق بأمن أبناء الجبل وكرامتهم ومستقبلهم.
ولا نشك في عواطف وئام وهاب الصادقة تجاه أبناء طائفته، ولا في انتمائه إلى الدوحة التوحيدية، لكن وهاب، في الوقت نفسه، سياسي متمرس يجيد قراءة المشهد اللبناني، ويعرف كيف يوظف الأحداث والمشاعر الشعبية في معاركه السياسية.
لقد أدرك وهاب حجم النقمة والغضب في أوساط واسعة من دروز سوريا وإسرائيل تجاه مواقف وليد جنبلاط، ولا سيما معارضة الأخير لمشروع الانفصال عن سوريا، وتحذيره من مخاطر الدعوات إلى إقامة كيان درزي مستقل في الجبل، وهي الدعوات التي ارتبطت بمواقف الشيخ حكمت الهجري في ظل التطورات الدامية التي شهدتها السويداء.
وهنا تحديدًا، عرف وئام وهاب كيف يخاطب الوجدان الدرزي، وكيف يستثمر حالة الخوف والغضب والقلق على المصير.
فالهوية الدرزية تحمل في أعماقها إرثًا دينيًا وفلسفيًا وإنسانيًا عريقًا، وقيمًا توحيدية متجذرة في التاريخ والذاكرة الجماعية. ووهاب يعرف جيدًا هذه الخصوصية، ويجيد مخاطبتها بلغة عاطفية تصل إلى أعماق النفوس، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكرامة أبناء الطائفة وأمنهم ومستقبلهم.
ولم يكتفِ وهاب بمواجهة الموقف الجنبلاطي سياسيًا، بل سعى، في تقديري، إلى استمالة خصوم وليد جنبلاط ومناوئيه، وتصوير المسار الجنبلاطي وكأنه قد يقود إلى إضعاف الهوية التوحيدية، أو ذوبان خصوصيتها في المحيط الإسلامي الأوسع.
وهذه الإشارات، بما حملته من شحن عاطفي وديني، ساهمت في تعميق الانقسام بين أبناء الطائفة، وأوجدت حالة من العداء الشديد تجاه مواقف وليد جنبلاط، بدلًا من إبقاء الخلاف في إطاره السياسي والفكري المشروع.
والحقيقة أن وليد جنبلاط نفسه لم ينجح في احتواء تداعيات مواقفه من الأزمة السورية، ولا سيما ما ترتب عليها من توترات مع أوساط درزية واسعة، وصولًا إلى الخلافات التي طالت مكانة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، ودوره القيادي.
وهكذا وجد أبناء الطائفة الدرزية أنفسهم، بعد انهيار نظام البعث وسقوط حكم بشار الأسد، أمام مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع المخاوف الوجودية، وتتوزع فيها المواقف بين التمسك بالانتماء الوطني السوري، والمطالبة بالحماية الدولية، والدعوات إلى تقرير المصير.
إنها مرحلة يعيش فيها المجتمع المعروفـي في شرق أوسط دامٍ، فوق فوهات براكين سياسية وأمنية لم تعرف الاستقرار بعد، وفي ظل مخاوف حقيقية على المستقبل والمصير.
لقد نجح وئام وهاب في استمالة قطاعات واسعة من أبناء الطائفة بخطابه العاطفي، وبمواقفه الحادة تجاه السلطات السورية الجديدة، وبمعارضته الواضحة لخطاب وليد جنبلاط في الملف السوري.
لكن النجاح في مخاطبة العواطف لا يمنح صاحبه حق تجاوز الحدود السياسية والوطنية، ولا حق التدخل في خيارات أبناء الطائفة أينما وجدوا.
وهنا وقع وئام وهاب في الخطأ الكبير!
قبل أيام، وفي خضم المشهد الانتخابي الداخلي في إسرائيل، تجاوز وئام وهاب، في رأيي، حدود الخطاب التضامني مع دروز سوريا، ودخل إلى ساحة سياسية لا يملك حق توجيهها أو فرض خياراته عليها.
فحين يخاطب أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل، داعيًا إياهم إلى التصويت لمن وقف إلى جانب دروز سوريا في محنتهم الأخيرة، في إشارة واضحة، بحسب فهمي لخطابه، إلى بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، فإنه ينتقل من موقع التضامن الديني والإنساني إلى محاولة التأثير في خيارات انتخابية داخلية.
وهنا يكمن الخطأ السياسي والتكتيكي الكبير.
فدروز إسرائيل ليسوا كتلة انتخابية واحدة، بل مواطنون ينتمون إلى مختلف الأحزاب والتيارات السياسية، من اليسار إلى المركز واليمين، ولكل منهم قناعاته وحساباته الوطنية والمدنية. وهذا التنوع تعبير طبيعي عن التعددية السياسية وحرية الاختيار، ولا يجوز اختزاله في موقف عاطفي أو ظرف استثنائي.
ومن حق وئام وهاب أن يشكر من يشاء، وأن يعبّر عن تقديره لكل من وقف إلى جانب أبناء السويداء، لكن هناك فرقًا بين توجيه الشكر على موقف إنساني أو سياسي، وتحويله إلى دعوة انتخابية موجهة إلى أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل.
فالتضامن مع دروز السويداء لا يعني تأييد حزب سياسي بعينه، ولا يُلزم أحدًا بالتصويت لهذا الزعيم أو ذاك. كما أن المكانة الدينية للأنبياء والسادة يجب أن تبقى فوق التجاذبات الحزبية، ولا يجوز توظيف المشاعر الروحية في توجيه الناس نحو خيارات سياسية محددة.
لقد أخطأ وئام وهاب عندما أوحى بأن الغضب على ما جرى في السويداء، والامتنان لمن ساهم في حماية أبنائها، يمكن أن يتحولا تلقائيًا إلى تأييد انتخابي لنتنياهو وحزب الليكود.
فدروز إسرائيل قادرون على التمييز بين موقفهم من مأساة إخوانهم في سوريا، وبين تقييمهم للسياسات الداخلية للحكومة الإسرائيلية ومواقف الأحزاب من قضايا المساواة والحقوق المدنية والتخطيط والبناء والأرض والميزانيات ومستقبل أبنائهم.
إن الوقوف إلى جانب أهلنا في السويداء موقف إنساني وأخلاقي يستحق التقدير، لكنه لا يمنح أي حزب صكًا انتخابيًا مفتوحًا، ولا يعفي أي حكومة من المحاسبة على سياساتها تجاه مواطنيها.
والأهم أن محبة أبناء الطائفة الدرزية في سوريا والوقوف إلى جانبهم لا تعني التنازل عن استقلالية القرار السياسي لدروز إسرائيل، ولا تمنح أي زعيم، لبنانيًا كان أم غير لبناني، حق الوصاية على خياراتهم.
فأبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل ليسوا بحاجة إلى من يرشدهم إلى صناديق الاقتراع أو يحدد لهم الحزب الذي يستحق أصواتهم. إنهم يعرفون واقعهم ومصالحهم، ويملكون من الوعي والتجربة السياسية ما يؤهلهم لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
ولا يجوز تحويل مأساة السويداء إلى ورقة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية أو إلى وسيلة لتصفية الخلافات بين الزعامات الدرزية في لبنان وسوريا وإسرائيل. فالدم الذي سُفك في السويداء أغلى من أن يتحول إلى رصيد انتخابي، وكرامة أبناء الجبل أسمى من أن تُختزل في معركة صناديق الاقتراع.
كلمة أخيرة إلى وئام وهاب
قد نتفق معك في الغضب على المجازر التي أصابت أهلنا في السويداء، وقد نقدّر دفاعك عنهم، وقد نختلف مع وليد جنبلاط في مواقفه من مستقبل الجبل، لكن ذلك لا يمنحك تفويضًا للتحدث باسم دروز إسرائيل أو توجيه أصواتهم.
فالانتماء إلى الدوحة التوحيدية يجمعنا، والحرص على أهلنا في سوريا واجب أخلاقي وإنساني، أما القرار السياسي فهو حق مستقل لكل مواطن، لا يجوز مصادرته باسم الدين أو الطائفة أو التضامن.
ومن حقك، يا وئام وهاب، أن تدافع عن أهلنا في السويداء، وأن تشكر من وقف إلى جانبهم، وأن تختلف مع وليد جنبلاط كما تشاء، لكن ليس من حقك أن تختار لدروز إسرائيل ممثليهم السياسيين.
فالفرق كبير بين أن تكون صوتًا مدافعًا عن أبناء طائفتك، وبين أن تحاول أن تكون وصيًا على خياراتهم.
وحدة الانتماء التوحيدي لا تعني وحدة الانتماء الحزبي، والتضامن في المصير لا يعني التنازل عن حرية القرار.
وهنا، تحديدًا، أخطأ وئام وهاب
الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


