✍️زايد صالح خنيفس✍️
بين انتخابات الكنيست، ومستقبل سوريا، والتحولات الإقليمية، يجد الدروز أنفسهم أمام مرحلة سياسية وأمنية مفصلية، تتطلب قراءة جديدة للواقع وإدارة متوازنة للملفات الداخلية والخارجية.
لم يتبقَّ سوى شهر ونصف على انتخابات الكنيست الإسرائيلي، والواضح، وفق الاستطلاعات على الأقل، أن معسكر التغيير قد يتمكن من تشكيل الحكومة برئاسة رجل الأمن وقائد هيئة الأركان السابق غادي أيزنكوت، المعروف بخلفيته الأمنية ومواقفه اليمينية.
وتركيبة الحكومة القادمة، إذا نجح هذا المعسكر في الحصول على الأغلبية، قد تكون شديدة التنوع، من أقصى اليمين إلى اليسار مرورًا بالمركز، وقد يجمع أطرافها هدف سياسي واحد: إقصاء بنيامين نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الحريدية عن سدة الحكم.
لكن الوصول إلى الحكم سيكون أسهل من إدارة الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة. فالإرث الذي ستتسلمه لن يكون نزهة سياسية، بل مجموعة من الملفات الأمنية والسياسية الثقيلة، خصوصًا في ظل تداعيات أحداث السابع من أكتوبر، التي ما زالت إخفاقاتها تلاحق المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، وأصبحت إحدى القضايا المركزية في المعركة الانتخابية.
الحكومة المقبلة، أيًا كانت تركيبتها، ستجد أمامها ملفات ملتهبة: إيران، غزة، الجولان، الضفة الغربية، سوريا، حزب الله، إلى جانب جبهات وملفات أخرى لم تُغلق حتى الآن
التمثيل الدرزي... بين الحضور والتأثير
وتشير الاستطلاعات، بحسب المعطيات المتداولة، إلى إمكانية تمثيل الطائفة الدرزية في الكنيست المقبلة بنائبين: السادة حمد عمار عن حزب «إسرائيل بيتنا»، والجنرال المتقاعد كميل أبو ركن عن حزب «يشّار» بقيادة أيزنكوت، الذي يُطرح اسمه كأحد أبرز المرشحين لرئاسة الحكومة.
ويأتي ذلك في ظل تراجع نتنياهو عن ترشيح شخصية درزية في مكان مضمون، وفي ظل غياب موقف سياسي درزي موحد تجاه المرشحين والقوى السياسية المختلفة.
وهنا تبرز أمام القيادات الدرزية مسؤولية مراجعة المرحلة الماضية، ليس بهدف المحاسبة فقط، وإنما بهدف طرح سؤال أكثر أهمية: ماذا حقق التمثيل السياسي الدرزي للطائفة، وماذا يمكن أن يحقق في المرحلة المقبلة؟
فعدد من الشخصيات السياسية الدرزية لم ينجح، خلال السنوات الماضية، في تحويل حضوره السياسي إلى إنجازات ملموسة في العديد من القضايا التي تمس حياة أبناء الطائفة، فيما بقي حضور البعض محصورًا في المقابلات والتصريحات والمواقف السياسية، دون نتائج تتناسب مع حجم التحديات.
ويبرز ذلك بصورة خاصة في ملف السويداء، الذي أصبح خلال الفترة الأخيرة أحد أكثر الملفات حساسية لدى أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل.
السويداء... من ملف إنساني إلى قضية إقليمية
انشغلت الطائفة الدرزية في إسرائيل، وخصوصًا القيادات السياسية والروحية، خلال الفترة الأخيرة بملف السويداء، من خلال تقديم الدعم المادي والمساعدات الإنسانية، والعمل على تأمين وصولها إلى أبناء الجبل الذين تعرضوا، وفق ما نقلته تقارير وشهادات عديدة، لأحداث دامية شملت القتل والتهجير والانتهاكات.
وفي هذا السياق، لعبت الرئاسة الروحية، برئاسة الشيخ موفق طريف الذي كان مخلصا لعشيرته بكل منابر العالم مستقلا
بموقغه مدركا للواقع ،وبرز بدورًا بارزًا في تنظيم الدعم الإنساني، تُوّج بإقامة غرفة عمليات في جولس، رافقها نشاط إعلامي وسياسي واسع، ومحاولات للتأثير على أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية والمؤسسات الأمنية والعسكرية، بهدف حماية أبناء السويداء وتأمين المساعدات والضغط على دمشق.
ونجحت هذه التحركات، مرحليًا، في تأمين وصول الدعم المادي والإنساني، وشكل الجسر الذي أقيم بين أبناء الطائفة في إسرائيل وأهلهم في الجبل متنفسًا ومساحة أمل في ظروف شديدة الصعوبة.
وفي المقابل، برزت في السويداء قيادات تمثلت بالشيخ أبو سلمان حكمت الهجري، إلى جانب الفصائل التي انضمت وعملت تحت قيادته، ورفعت مطالب سياسية تجاوزت الإطار التقليدي للمشهد، من المطالبة بالحكم الذاتي وصولًا إلى طرح إعلان جبل الباشان منطقة منفصلة عن حكم دمشق.
وهنا تحديدًا تبدأ الصورة بالتغير؛ فملف السويداء لم يعد مجرد ملف إنساني يحتاج إلى مساعدات، ولم يعد محصورًا بعلاقات أبناء الطائفة أو بمبادرات القيادات الروحية، بل أصبح جزءًا من مشهد سياسي وأمني إقليمي أوسع.
السويداء لا يجب أن تحجب حقوق الدروز في إسرائيل
أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل سجلوا، قبل قيام الدولة وبعدها، مواقف كبيرة في الحفاظ على وجود وكرامة أهلهم في لبنان وسوريا، وهي مواقف تستند إلى تاريخ طويل وروابط أخوية وعقائدية راسخة.
لكن الانشغال بملف السويداء لا يجب أن يأتي على حساب قضية أساسية أخرى، وهي تعزيز حقوق الدروز في إسرائيل وتحقيق المساواة الكاملة.
فسياسات الحكومات المتعاقبة، وخاصة حكومة نتنياهو، أبقت العديد من القضايا الدرزية دون حلول نهائية، بدءًا من تداعيات قانون القومية، مرورًا بنقص ميزانيات التطوير والبناء، وصولًا إلى أزمة قسائم البناء ومشاريع القسائم الجديدة للجنود المسرحين، التي تعطلت لسنوات.
كما لا تزال قضية أوامر الهدم في عدد من القرى والبلدات الدرزية مطروحة، في وقت تحتاج فيه هذه البلدات إلى خطط بناء وتوسيع لمساحاتها بما يتناسب مع احتياجات السكان والنمو الطبيعي.
ولا يمكن إغفال قضية الأكاديميين الدروز، ومن بينهم الأكاديميون ، وضرورة إيجاد مسارات حقيقية لاستيعابهم ودمجهم، إلى جانب توفير فرص العمل، وتطوير البلدات، وتوسيع مسطحاتها، وحل أزمة السكن، وتعزيز الميزانيات وتحقيق المساواة.
فالمرحلة القادمة لا تحتمل وضع ملف درزي في مواجهة ملف آخر. حماية أهلنا في السويداء لا تعني التخلي عن حقوق الدروز في إسرائيل، والمطالبة بالمساواة والحقوق الداخلية لا تعني التخلي عن أبناء الجبل.
المطلوب هو رؤية درزية متكاملة، وقيادات قادرة على إدارة الملفات في وقت واحد، وتحويل الحضور السياسي والروحي إلى إنجازات حقيقية، بعيدًا عن التصريحات الموسمية والمواقف التي لا تنتج تغييرًا على الأرض.
في الخلاصة... رسالة درزية سياسية جامعة
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى قراءة درزية هادئة وواقعية، بعيدًا عن الانفعال السياسي أو الاصطفاف مع هذا المعسكر أو ذاك. فالمتغيرات في إسرائيل وسوريا والمنطقة تفرض على القيادات الدرزية أن تتعامل مع الواقع كما هو، وأن تضع مصلحة الإنسان الدرزي وكرامته وأمنه في مقدمة الأولويات.
ملف السويداء لم يعد قضية إنسانية فقط، كما أنه لا يمكن اختزاله في موقف دولة أو حكومة أو جهة سياسية واحدة. لقد أصبح ملفًا تتداخل فيه اعتبارات محلية وإقليمية ودولية، ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى حكمة سياسية، وإلى قدرة على قراءة مصالح مختلف الأطراف، مع الحفاظ على الثوابت الإنسانية والعلاقات التاريخية التي تربط أبناء الطائفة ببعضهم.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يأتي الاهتمام بالسويداء على حساب القضايا اليومية والمستقبلية للدروز في إسرائيل. فالمساواة، والتخطيط والبناء، والسكن، وفرص العمل، والتعليم، والميزانيات، ودمج الأكاديميين والشباب، كلها قضايا جوهرية تحتاج إلى متابعة سياسية مستمرة، ولا يجوز أن تتراجع إلى الصف الثاني بسبب التطورات الإقليمية.
وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية أمام النواب الدروز والقيادات السياسية والروحية: أن يجمعوا بين التضامن مع أهلنا في السويداء والدفاع عن حقوق أبناء الطائفة في إسرائيل، وأن يحولوا الحضور الدرزي من مجرد تمثيل انتخابي إلى تأثير سياسي مسؤول.
المطلوب ليس موقفًا درزيًا واحدًا في كل قضية، فالتعدد السياسي حق طبيعي، وإنما المطلوب حد أدنى من التفاهم على المصالح الأساسية للطائفة، وعلى رأسها الأمن والكرامة والمساواة وحماية الإنسان ورفض العنف والحفاظ على وحدة المجتمع.
كما أن العلاقة مع الدولة ومؤسساتها يجب أن تقوم على المشاركة والتأثير والنقد المسؤول في آن واحد؛ فلا التبعية السياسية تخدم الطائفة، ولا المواجهة الدائمة تحقق مصالحها. القوة الحقيقية تكون في القدرة على الحوار، وعلى طرح المطالب بوضوح، وعلى بناء شراكات سياسية تضمن نتائج ملموسة.
وفي ملف السويداء تحديدًا، يجب أن يكون الموقف الدرزي واضحًا: الوقوف إلى جانب المدنيين، ودعم حقهم في الأمن والكرامة والحياة، مع ترك مستقبل سوريا وترتيباتها السياسية لأهلها، وعدم تحويل المأساة الإنسانية إلى ذريعة لمزيد من الانقسام أو الصراع.
أما في إسرائيل، فالمطلوب أن تكون المرحلة القادمة فرصة لإعادة ترتيب البيت الدرزي سياسيًا واجتماعيًا، ووضع الملفات الداخلية على جدول الأولويات، إلى جانب استمرار التواصل والتضامن مع أهلنا في سوريا ولبنان.
هذه هي الرسالة التي تحتاجها الطائفة اليوم: لسنا أمام خيار بين السويداء وحقوقنا في إسرائيل، ولا بين الانتماء إلى الدولة والحفاظ على روابطنا التاريخية مع أهلنا؛ بل نستطيع أن نحمل القضيتين معًا، بعقل سياسي متزن ومسؤول.
فالاختلاف في المواقف السياسية لا يجب أن يتحول إلى انقسام اجتماعي، والتنافس الانتخابي لا ينبغي أن يطغى على المصلحة العامة. وما تحتاجه الطائفة في المرحلة المقبلة هو قيادات تعرف كيف تختلف دون أن تنقسم، وكيف تتحاور دون أن تتنازل عن حقوقها، وكيف تستخدم قوتها السياسية لخدمة الناس لا لخدمة الأشخاص.
ومع اقتراب انتخابات الكنيست، ستتضح تدريجيًا ملامح المرحلة الجديدة، وسيكون السؤال الحقيقي أمام النواب الدروز حمد عمار وكميل ابو ركن والقيادات الروحية الدرزية: هل نستطيع أن نكون جزءًا من صناعة القرار، أم نبقى مجرد جزء من الحسابات الانتخابية للآخرين؟
إنها لحظة اختبار حقيقية. والنجاح فيها لا يقاس بعدد المقاعد فقط، وإنما بقدرة الحضور الدرزي على تحقيق الأمن والحقوق والمساواة، والدفاع عن الإنسان، والحفاظ على وحدة الطائفة، وترك مساحة للأجيال القادمة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة.
فالمرحلة القادمة قد تعيد رسم ملامح المنطقة، لكن علينا نحن أيضًا أن نعيد رسم أولوياتنا: وحدة، كرامة، مساواة، تضامن، وتأثير سياسي حقيقي.
وإذا كانت السويداء قد أعادت التأكيد على عمق الروابط بين أبناء الطائفة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون فرصة لترجمة هذه الروابط إلى وعي سياسي جامع؛ وعيٍ يحفظ كرامة أهلنا في الجبل، ويدافع عن حقوق الدروز في إسرائيل، ويحترم تعدد الآراء، ويرفض تحويل الاختلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي.
الدروز بحاجة اليوم إلى صوت قوي، لكنه متزن؛ إلى قيادة تعرف متى تضغط، ومتى تتحاور، ومتى تختلف، وإلى مشروع يحفظ الطائفة من التشتت ويضع مصلحة الإنسان فوق الحسابات الحزبية والشخصية.
فالمرحلة القادمة ليست امتحانًا لقيادة واحدة أو حزب واحد، وإنما امتحان لقدرتنا جميعًا على أن نكون طائفة موحدة في الثوابت، متنوعة في السياسة، واضحة في المطالب، وقادرة على التأثير

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


