الآرامية لم تكن يومًا قومية بقلم د. بشارة شحادة عبيد
2014-09-21 16:35:32
الآرامية لم تكن يومًا قومية بقلم د. بشارة شحادة عبيد
يُتداول أخيرًا في الصحف والمواقع الالكترونية والشبكات الاجتماعية فكرة وصف مسيحيي البلاد بالاراميين ونعتهم بالقومية الآرامية. للأسف حتى الآن لم يقدم أي معارض أو حتى موافق لهكذا اقتراح بالوقوف عند صحته وعند ابعاده اذا ما تم قبوله. فوددت من نابع التنوير والواجب العلمي اللاهوتي ان اكتب عن هذا الموضوع، علّنا نتخلى عن جهلنا ولا نقع بأخطاء من وراءها ابعاد سياسية لمحي تاريخ سكان هذه البلاد، حتى لو ان بعض المناصرين لهكذا فكرة يعانقونها معتقدين انها تعيدهم الى جذورهم.
في بادئ الأمر يجب ان نفهم ما هي الآرامية، فهي لهجة من لهجات اللغة السريانية، اللغة التي كان تتكلمها الشعوب السريانية (المنتمية الى سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين). السريانية هي لغة سامية تشبه باقي اللغات السامية الاخرى كالعبرية والعربية. كانت إحدى اللغات في بلاد ما بين النهرين، لغة الاشوريين، وكانت إحدى لغات بلاد الشام. اللغة السريانية، كأي لغة أخرى، كانت لها عدة لهجات، سأذكر فقط بعضها: السريانية الشرقية والسريانية الغربية والآرامية. إذًا الآرامية هي إحدى هذه اللهجات المتعددة لهذه اللغة، ولننوه هنا ان لكل من هذه اللهجات تطور نظام أبجدي مختلف من ناحية شكل الحروف، فالآرامية استعملت شكل الحروف الأبجدية القريب جدًا من شكل الحروف الابجدية، المدعو اليوم خط يد عبري. الآرامية كانت اللغة المحكية الشعبية لمنطقتنا، وقد قدمت مع قدوم الاشوريين الى المنطقة، الذين سبوا اليهود إلى بابل، وبعد السبي وتبادل الشعوب ولقاء الحضارات واللغات، تكلّم اليهود الذين عادوا الى أورشليم واليهودية باللغة السريانية التي أخذت مع الزمن في هذه المنطقة، طابعاً خاصاً لها، حتى أصبحت لهجة مستقلة من عائلة اللهجات السريانية مدعوة آرامية.
على سبيل المثال، في زمن المسيح، فقط الكهنة وطبقاتهم عرفوا العبرانية وقرأوها، بينما تكلم عامة الشعب فقط بالآرامية، لذلك في الاجتماعات الدينية اليهودية، كلما تمت قراءة من التوراة ، الأنبياء او المزامير في الوقت ذاته تم ايضًا ترجمة القراءة وتفسيرها ومن هنا نشأ الترجوم (תרגום/ תרגומים). اذًا الآرامية كانت لغة الشعب اليهودي في المنطقة، والشعوب الاخرى القاطنة، بينما لغة العلم والثقافة كانت اليونانية واللاتينية انحصرت في الامور العسكرية والإدارية.
هل بعد هذا كله، نستطيع ان نقول ان الآرامية كانت قومية؟ الم تكن لغة عدة شعوب وحّدتهم هذه اللغة لظروف حياتية ؟! المسيح تكلم الآرامية لأنها كانت اللغة المحكية آنذاك، ومما لا شك فيه، انه، هو وبعض الرسل، تكلموا اليونانية ايضًا. فإذا اراد بعضهم ان يصف المسيحيين بالآراميين، فاليهود أولى بذلك، كونهم تكلموا الآرامية والسريانية قبل المسيحيين بقرون.
ان هذه الأرض، التي دعيت أيضًا مقدسة لم تكن ابدًا ذات طابع قومي واحد، وحيد وموحد، فتخالُط الشعوب كان دائم، لذلك لا أحد منا يستطيع اليوم الإثبات بانه ينتمي الى قومية تاريخية معينة، لأنه بعد فحص دم (DNA) ربما سيثبت العكس.
تاريخيًا نحن نعلم انه سكن هذه البلاد العديد من القبائل المختلفة التي كانت تنتمي الى حضارات متنوعة، على سبيل المثال: الكنعانيون، الحثيون، الفلسطيون القادمون من البحر، الفينيقيون سكان السواحل اللبنانية، اليهود وغيرهم. بعد نشوء المملكة اليهودية الواحدة (مملكة داوود ومن ثم سليمان) انقسمت هذه المملكة الى قسمين: مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة اسرائيل في الشمال، إحُتلّت المملكتان عدة مرات، تارة من قبل الفراعنة، وتارة أخرى من قبل بابل والاشوريين، حتى تم السبي على يد نبوخذنصر. عند عودتهم الى هذه البلاد لم يُنشأ اليهود مملكتهم مرة أخرى، بل عاشوا وتعايشوا مع الشعوب الاخرى التي تواجدت ههنا. ومن جهة أخرى وصلت المملكة الإغريقية (اليونانية) للاسكندر الكبير الى بلادنا، وهكذا دخلت الحضارة اليونانية الى منطقتنا كما الى جميع انحاء الشرق الاوسط. فلا ننسى ان الكثير من المدن بالذات كانت تتكلم اليونانية في زمن المسيح، فعلى سبيل المثال هناك عدة بلدان حملت أو ما زالت تحمل اسمها اليوناني مثل نابلس (Νεάπολις)، قيساريا (Καισαρεία)، المدن العشرة (Δεκάπολις) وجليل الامم إلخ....
بعد إنتهاء الاحتلال أو الفتح اليوناني الإغريقي دخلت إلينا الامبراطورية الرومانية واحتلت هذه البلاد، فترانا شركاء لحضارة انتشرت الى كل انحاء العالم المعروف آنذاك. في الفترة الرومانية كانت منطقتنا تتبع الى ولاية سوريا الكبرى وكانت مقسمة الى اربع مناطق إدارية مثل اليهودية والجليل، و أما "عاصمتها" قيسارية، مدينة رومانية بنيت على شرف أوغسطس قيصر مثل مدينة طبريا التي بنيت على شرف القيصر طيباريوس مما يدل ايضًا على تواجد الحضارات المختلفة في بلادنا.
لم يقبل اليهود بتاتًا الوجود الروماني في البلاد، فقاموا بعدة ثورات ضد الرومان اخرها كانت ثورة ابن النجمة (بار كوخبا -בר כוכבא )، اسم سرياني-ارامي لقائد الثورة، الذي إعتبره الكثير من اليهود المخلص (المسيح) من الذل الروماني. استمرت الثورة بين سنوات 132-136، كان فشلها نتيجته بان تسمى كل المنطقة "فلسطين-سوريا" عقابًا لليهود، ففلسطين يذكرهم باسم عدوهم اللدود في الكتاب المقدس "الفلسطيين". منذ ان اتخذ الامبراطور ادريان هذا القرار، دعيت المنطقة كلها باسم سوريا-فلسطين، و مع مرور الزمن، الاسم فلسطين اصبح يشير الى المنطقة بين اليهودية والجليل، بينما سوريا الى المنطقة الاكبر والاوسع.
خلفت الحقبة الرومانية ، الحقبة البيزنطية، ومن ثم الفتوحات العربية مع الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، ومن ثم الخلافة الاموية فالعباسية ، الفاطمية، الصلاجقة، الايوبيين، العثمانيين، الإنتداب الانجليزي و نهاية بالاحتلال الاسرائيلي الذي غيّر اسم المنطقة من جديد فاصبحت تدعى إسرائيل، بينما فلسطين بقي اسم المنطقة غير المحتلة من قبل دولة إسرائيل.
بعد هذا السرد التاريخي للامور واثبات التخالط بين الشعوب والحضارات واللغات في المنطقة، نأتي الى فحص هوية المسيحيين في هذه البلاد. قبل بدء المشاكل والإختلافات العقائدية بالإمكان القول وبإختصار ان مسيحيي الأراضي المقدسة، تكلموا بلغتين، الاولى وهي اللغة المحكية، اللغة الشعبية، اي الآرامية، بالذات كان ذلك لسكان القرى والجبال، أما المدن تكلم سكانها باليونانية، وذلك بسبب أن المدن كانت تشكل مراكز الثقافة والتعليم التي استخدمت اللغة اليونانية كلغة رسمية لها . إن الراهبة الاسبانية إجيريا التي قدمت الى الأراضي المقدسة في القرن السادس ووصفت وصفًا دقيقًا لما شاهدته لهو دليل قاطع على صدق ما نقول. أما اللغة اللاتينية فكان حضورها ضئيل، بينما القبطية اقتصرت على مسيحيي مصر وريفها. لم تؤثر الصراعات العقائدية بين المسيحيين على هذه القاعدة اللغوية، بل نرى مثلًا أنه اصبح للاقباط وجود في بلادنا وان كان ضئيلًا.
إن قدوم الفتوحات العربية الاسلامية الى المنطقة يُعد نقطة تحول في تاريخ هذه البلاد. بالاضافة الى لقاء جديد بين حضارات مختلفة، هناك عنصر جديد وهو دور اللغة الواحدة، اللغة العربية كلغة مشتركة، والتي شكّلت عاملاً اساسياً لتطور حضارة جديدة على يد مسيحيي المنطقة الذين بادروا الى ترجمة كتب الفلسفسة والعلوم الى العربية. يجعل عبور التراث اليوناني الى العرب الورثة الأهم لهكذا تراث، كما ويجعل المسيحيين شركاء في تطور الحضارة والعلوم في الدولة العربية الاسلامية. من الجدير ذكره انه ومع مرور الزمن بدأت شعوب المنطقة، الناطقين بلغات غير عربية كاليونانية والسريانية-الآرامية، بإستعمال اللغة العربية في شتى المجالات، حتى في الحياة اليومية والبيتية مما أدى الى اندماجهم اكثر فأكثر في الحضارة العربية. طبعًا هذا لا يعني انه لم تكن هناك أوقات عصيبة مليئة بسفك الدماء والعنف الطائفي.
هنا يُطرح السؤال، ماذا حل بالمسيحيين العرب، أي مسيحيي شبه الجزيرة العربية كبني غسان وبني المنذر وغيرهم. من المؤكد أنه حدث تخالط كبير بينهم وبين مسيحيي منطقتنا بعد المجيء العربي الاسلامي. الكثير من عائلاتنا تحمل في طيات تقاليدها "سلالات عائلية" تربطهم مع تلك القبائل النصرانية.
اذًا اختلاط جديد يحدث في المنطقة، واللغة الآرامية او السريانية تنتقل من ان تكون اللغة الاكثر استعمالا، الى لغة تستعمل في الكنيسة فقط. هذا لا يعني انها اختفت تمامًا، فالحق يقال، نحن في لغتنا العربية بلهجتها الفلسطينية مثلًا، وخصوصًا اهل الشمال، قد تأثرنا بالآرامية، فمثلًا نحن نقول "مار جريس": كلمة "مار" كلمة آرامية تعني السيد او القديس. كلمة اخرى مثل "مرحبا" وهي كلمة تحية سريانية مسيحية تعني "السيد محبة" (مار حوبو- ܡܪܝܐ ܚܒܐ)، اخذت مكانها في اللغة العربية المحكية في هذه البلاد. هذا لا يثبت، كما يحلو للبعض بأن يقول، ان الآرامية تستطيع ان تعود وتأخذ مكانها كلغة، او كقومية (؟)، لاننا كشعب ولظروف عديدة اخترنا العربية لغة وشاركنا في تطويرها وتطوير حضارتها، بالرغم من ان البعض (مسيحيون او مسلمون) لا يريدون الاعتراف بذلك، لكن التاريخ هو الشاهد الأعظم.
نشوء الامبراطورية العثمانية وتسلط العثمانيين على كل ما هو غير عثماني جعل من المسيحيين "المتعربين"، إن شئنا إستعمال هكذا مصطلح، ان يشعروا بقربهم اكثر للمسلمين العرب. هذا الشعور أدى الى نشوء الفكر القومي الموحد، الذي انتشر في الدول العربية وادى الى تكوين القوميات والاثنيات العربية التي حاولت، وان فشلت في ذلك كما نرى في الآونة الاخيرة، ان تبني دولا "علمانية" مبنية على مقولة "الدين لله والوطن للجميع".
طبعًا ان هذا الشعور بالانتماء للحضارة العربية قد انجب الكثير من الكتاب والمؤلفين والمفكرين المسيحيين، الذين حلقوا بنا، بكتاباتهم ومؤلفاتهم، الى سماوات عالية، فهناك ناصيف وابراهيم اليازجي، بطرس البستاني، جورج انطونيوس، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران، نجوى قعوار فرح، كوليت خوري، ادوارد سعيد، جورج خضر وغيرهم. اذًا المسيحيون في الشرق الاوسط هم خليط من حضارات وشعوب مرت ورحلت، إلا أنهم ومع مرور الزمن أصبحو جزءًا لا يتجزأ من هذا النسيج العربي ومن صناع الفكر والحضارة العربية، ودعني أقول شاء من شاء من العرب أو غيرهم.
المشكلة اليوم لا تكمن في أن يُعبّر المسيحيون في اسرائيل عن حقهم بالإنتماء الى قومية لا وجود لها كما ذكرنا. بل المشكلة تكمن في البعد السياسي والتاريخي لإعطاء، او بالأصحّ، "إختراع" هكذا قومية:
أتسائل، لماذا قبلنا ان ندعى "عرب 48"، "عرب الداخل"، "عرب إسرائيل"؟ اليس بذلك محاولة لقلعنا من جذورنا الفلسطينية؟ لانه وان كانت القومية والحضارة عربية، إلا أن القومية الفلسطينية تحوي بداخلها العربية وغير العربية، فقبلنا الهزيمة وساومنا على ذلك وها نحن اليوم نشاهد مساومة على القومية من نوع جديد لتصفيتها بالكامل.
ماذا يريدون الآن من هكذا مصطلح (قومية آرمية)، ايقصدون تهويد المسيحيين؟ فكما ذكرت اليهود كانوا قد استعملوا الآرامية لغة قبل المسيحيين بقرون، أو يريدون بذلك أن يمحو الهوية الفلسطينية التى خسرناها وذهبت مع الاحتلال وبعدها ينهشوا بالهوية العربية التي بقيت ويريدون نزعها واستبدالها بقومية لا وجود لها وهكذا بعد جيل أو جيلين تتطبع الأمور فيقولون لم تكن هناك قوميات سوى اليهودية وأختها الآرامية أما المسلمون فهم نازوحون من الجزيرة العربية وهم ليسوا بسكان البلد الأصليين( هذا على سبيل المثال).
الاسئلة كثيرة، لست بمحلل سياسي ولا بسياسي لأجيب عليها، لكننا بحاجة الى تمهل والى تأمل علّنا نصل الى حل أزمة الهوية التي نعاني منها.
شخصيًّا ما استطيع قوله ان الكنيسة، والمسيحي طبعًا، لا يتعلق بقومية او اثنية، ولكنه لا يقبل ان يُمحى تاريخه، أو ان يكون أضحوكة سببها "جهل" الآخرين ... فلنستفق من سباتنا ولنكن واقعيين محاولين ان نبني جسورًا للسلام والمحبة، لا طرقا لنشر الخلاف والشقاق وتعدد القوميات وكأنه ينقصنا قوميات وطوائف وملل. نحن ابناء اليوم والمستقبل، متجذرون في الحاضر ونبني لمستقبل افضل. إذا أردنا أن نبحث عن جذورنا في الماضي، فلنبحث بشكل صحيح، غير مشوهين للتاريخ والحقيقة التاريخية. أن نعيش في التاريخ الحاضري وليس خارجه هو الحل الوحيد لنا. البحث في الجذور مهم فهو يساعدنا في ان نبني مستقبل افضل، فنتعلم من أخطائنا ونتفاداها، ونستفيد من كل خطوة ايجابية قد قمنا بها، ولكن اذا كان الهدف "التنبيش" على مجد قد ضاع، فهو وهم مضيع!

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


