المفتي والمطران على أرض الإمارات
08/10/2019 - 10:50:21 pm

من أقصاها المقدس وقيامتها الجليلة أتيا بعهدتهما العُمرية إلى أرض التسامح، التي احتضنت لقاء شديد الخصوصية بين مفتي «مدينة الله» والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين ومطرانها عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية الروم الأرثوذكس تحت رعاية الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح، وبتنظيم مجلس العمل الفلسطيني في العاصمة.
لقاء المحبة الذي جمع القطبين الدينيين الكبيرين على أرض الإمارات تحديداً، يعكس قيم التآخي والسلام والتعايش السلمي بين الشعوب، والذي تحرص الدولة على تأصيله باستمرار.
من باب العمود وسوق اللحامين وساحة الخليل ووخان الزيت وحارة الشرف، من شوارع القدس العتيقة جاء المطران حاملاً رائحة حائط البراق الشريف، متصدياً لحفريات الاحتلال تحت المسجد الأقصى، وعلا صوت المفتي بالغضب الساطع مندداً بمحاولات سرقة الممتلكات المسيحية وما تتعرض له كنيسة القيامة من انتهاكات.

«الخليج» حاورت المفتي والمطران حيث يجسد لقاؤهما تاريخاً من الاحترام المتبادل وقبول الآخر على أرض الإمارات.

 


محمد حسين: دعم الإمارات وصل إلى كل الفلسطينيين


مهاجمة أملاك المسيحيين بالقدس تعدٍ فاضح على أوقافنا
الاعتداءات والاعتقالات لن تنال من وحدتنا ونضالنا

الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، نجحت آراؤه ومواقفه المشهودة منذ أن كان مديراً للمسجد الأقصى، في أن تجعل منه شخصية إنسانية قومية اجتماعية قبل أن تكون دينية، يلتف حولها ويجمع عليها مسيحيو فلسطين قبل مسلميها.
يلقبه الكثيرون بأنه شوكة في حلق الاحتلال الذي دوماً ما يعتقله ويوقفه ويستجوبه نظراً لدفاعه المستميت عن أماكن المسيحيين المقدسة في مدينة القدس.
بدأ المفتي حديثه ل «الخليج» عن موقف الإمارات الثابت والمميز من القضية الفلسطينية ومساندتها في كل المجالات الإقليمية والدولية قائلاً: الدعم الذي تقدمه الإمارات يرتبط بالشعب الفلسطيني ككل، وامتد إلى جميع المدن الفلسطينية، من خلال بناء التجمعات السكنية، والمساعدة التي تقدم عبر الهلال الأحمر الإماراتي، بالإضافة إلى دعم السلطة الفلسطينية وموقفها الموحد تجاه ما يجرى على أرض «مدينة الله» القدس من انتهاكات للمقدسات الإسلامية والمسيحية على يد الاحتلال «الإسرائيلي».
وعن لقائه مع المطران عطا الله حنا على أرض الإمارات، قال مفتي القدس: ليس بجديد على أبناء زايد أن تكون أرضهم ملتقى للأديان ورمزاً للتسامح والعدل، فمنذ تأسيس الدولة، كان النهج الرئيسي للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يتمثل في سياسة الانفتاح والحوار مع الآخر، ودوماً امتدت الأيادي الإماراتية قيادةً وشعباً بالخير والعون والمساعدة لدول العالم أجمع، وترسيخ ما يتحلى به الإماراتيون من قيم الإسلام الحنيف والعادات العربية الأصيلة. ومن هنا أستطيع القول إن التسامح أصبح ثقافة يومية ومنهج حياة شكل عمق سياسة الإمارات التي كانت ولاتزال وستظل أيقونة للتسامح والقيم الإنسانية الحضارية عالمياً.
وعن دفاعه المستميت دوماً عن الممتلكات المسيحية وتعرضه للكثير من مضايقات الاحتلال أكد الشيخ محمد حسين أن فلسطين تقدم نموذجاً في العيش المشترك. وقال: أنا والمطران في قلب واحد بيد واحدة وبلسان حر واحد نعبر عن معاناة الشعب الفلسطيني، نحن نستعيد أيام الفتح الإسلامي للمدينة المقدسة، والذي كُلل بالعهدة العمرية التي تعتبر دستوراً لتنظيم الحياة المدنية التي شهدت وجود الكنيسة بجانب المسجد، ليس اسماً أو شكلاً فحسب، بل قلباً ومضموناً ورسالة وهدفاً مشتركاً.
ومن التعايش إلى تهويد مدينة القدس انتقل مفتي الديار الفلسطينية قائلاً: الاحتلال لا يريد التعامل مع الآخر بل تصفيته والانفراد بكل فلسطين. وهذه التصفية بدأها بالأهم بالنسبة له وهو مدينة القدس، هم يشنون حرباً من أجل تغيير ملامح المدينة وهويتها، بزرعها بالمستوطنات والجدار العازل، ومحاولة تغيير الطابع العربي المسيحي الإسلامي، وزرع قبور وهمية لليهود، وشن حملات لهدم الأقصى وكنيسة القيامة، وتسمية الشوارع بأسماء عبرية، كل شيء خاضع تحت سلطتهم للتزييف والتزوير، وما أقوم بالتصدي له بكل الطرق هو فضح محاولاتهم سرقة الأملاك المسيحية في باب الخليل، وقد يتعجب الكثيرون من هذا الدفاع، ولكني أقول لهم: إن الهجوم على أملاك المسيحيين هو تعدٍ فاضح على أوقاف المسلمين.
وختم الشيخ محمد حسين حديثه مؤكداً استمرار كفاح الشعب الفلسطيني ضد قوات الاحتلال بكل الطرق قائلاً: نواجه الظلم منذ الانتداب البريطاني، ولن يتوقف نضالنا، والهدوء لا يعنى أن مقاومتنا السلمية خفتت أو انتهت كما يروج البعض، بل بنضالنا السلمي نجحنا في كسب تأييد مختلف بلدان العالم في كل المحافل الدولية، ولن تنال الاعتداءات الشخصية والاعتقالات والتوقيفات من وحدتنا ونضالنا، ويكفينا أننا كنا أحد رموز الوحدة وتقبل الآخر على أرض التسامح: الإمارات.


عطا الله حنا: التسامح نهج إماراتي ينتصر للبشر


لا أنسى موقف زايد الإنساني بتضامنه مع كنائس فلسطين
معاناتنا كمسلمين ومسيحيين مشتركة والعدو واحد

المطران عطا الله حنا يتمتع بشعبية وجماهيرية كبيرتين في قلب كل مسلم ومسيحي، يعيش على أرض فلسطين، اتهمه الاحتلال بالإرهاب، واعتقل في السجون «الإسرائيلية» مرات عدة، وفُرضت الإقامة الجبرية عليه سنوات عدة، وسُحب جواز سفره، لمواقفه الوطنية المتحدية دوماً لمحاولات الحفريات تحت المسجد الأقصى، وتهويد الممتلكات المسيحية.
عبّر مطران مدينة القدس عن سعادته بزيارته الإمارات التي وصفها بالتاريخية، والمختلفة، والفريدة من نوعها، بالقول: ليست المرة الأولى التي نأتي فيها إلى هنا، ولن تكون الأخيرة، دائماً نزور هذه الأرض المتسامحة ونشارك في لقاءات وندوات ومنتديات، ولكن بالتأكيد هذه الزيارة لها مذاق آخر، إنها تحمل رائحة فلسطين، والقدس، ونكهة عام التسامح أيضاً، ذلك العنوان الذي أعلنته الإمارات ونحن بدورنا أتينا من القدس لنقول للإمارات شكراً على تلك المبادرة والرسالة. وكلمات الشكر لا تكفي؛ لأن زيارتي ومفتي القدس والديار الإسلامية، تعد وثيقة تاريخية.
ويتابع: الحديث عن مواقف أرض التسامح يطول، فهي تلك الدولة الحاضرة دوماً مع قضيتنا الفلسطينية، بمواقفها المبدئية، ودعمها للقدس بشكل خاص، أتينا لننقل رسالة الوفاء والتقدير والمحبة للإمارات، رئيساً، وحكومة، وشعباً.
وصمتَ المطران عطا الله حنا، كأنه يستعيد مشاهد من الماضي، واستكمل حديثه: لا يمكن أن أنسى لقائي قبل عشرين عاماً، أو أكثر، مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عندما وقع اعتداء على كنيسة المهد في بيت لحم وحوصرت، وتعرضت للقذائف «الإسرائيلية»، وقتها أرسل إلينا، رحمه الله، وإلى العالم مبادرة رائعة بأن عبّر عن تضامنه مع كنيسة المهد، وكنائس فلسطين ومسيحييها، في موقف إنساني حضاري، وأتيت وعدد من رجال الدين المسيحي من القدس، وتقدمنا له بأسمى معاني الشكر والعرفان. وزياراتي للإمارات تعددت، والتقيت خلالها أصحاب السمو الحكام، وتربطني بهم صداقة، ومودة، واحترام.
وتابع: نحن من الذين يحبون هذا البلد، لأنه يحمل الكثير من القيم والمبادئ الإنسانية السامية، والتسامح ليس عنواناً لهذا العام فحسب، بل إنه موجود على هذه الأرض منذ زمن بعيد، وسيتواصل، ولكن الرسالة التي أطلقتها الإمارات وهذا اللقاء، يؤكدان أننا جميعاً ننبذ العنف، والعنصرية، والكراهية، ونرفض أن ُيضطهد إنسان في العالم بسبب عرقيته وخلفيته الثقافية، أو لونه، لأن البشر جميعاً، وإن تعددت أديانهم وقومياتهم، ينتمون إلى أسرة واحدة.
نحن في فلسطين دوماً نعمل على تكريس وحدة القوة والأخوة والتضامن الإسلامي المسيحي، خدمة لقضيتنا الوطنية، ودفاعاً عن القدس، ومقدساتنا، وأوقافنا الإسلامية والمسيحية.
وعن التناغم بين الأديان في «مدينة الأنبياء» تحدث مطران القدس بالقول: العلاقة بين الإسلامية والمسيحية، خاصة في القدس، لا يمكن اختزالها في مسألة التسامح فحسب؛ لأن الفلسطينيين جذورهم الوطنية واحدة، ولغاتهم، ونضالهم من أجل الحرية واحد، وما يتعرض له المسيحيون هو نفسه ما يعانيه المسلمون، وأولئك الذين يستهدفون المسلمين في مقدساتهم وأوقافهم، هم أنفسهم الذين يستهدفوننا، وبالتالي الجرح والألم واحد.
ولأن التهويد هو الحرب الضروس الدائرة بشكل يومي ما بين العدل والظلم على أرض فلسطين، قال المطران: التهويد لا يمكن اختزاله في أنه أحد ملفات القضية الفلسطينية، بل هو في الحقيقة نكبة جديدة يتعرض لها شعبنا، بل هو الأخطر لأنه يقوم على طمس معالم المدينة، وتهميش وإضعاف الحضور الإسلامي والمسيحي، وهنالك اقتحامات يقوم بها المتطرفون المستوطنون يستهدفون من خلالها الأقصى ويخططون ربما لتدميره بهدف بناء هيكلهم المزعوم، إضافة إلى الأوقاف المسيحية المستهدفة، وهذا ما يجعلني أقول إن التهويد ما هو إلا تدمير لكل ما هو فلسطيني عربي إسلامي ومسيحي. والسياسة التهويدية العنصرية الغاشمة تستهدفنا جميعاً، ولا تستثني أحداً، ولذلك وجب علينا كفلسطينيين أولاً وكعرب دائماً التصدي لها.
وعاد المطران إلى مواقف الدولة الداعمة للحق الفلسطيني، قائلاً: الإمارات تدعم القضية الفلسطينية بكل ما تملك من قوتها، هذا الدعم يؤكد للجميع أن فلسطين قضية كل أحرار العالم، وحولها يلتف المؤمنون بقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والتسامح.
رفض مطران القدس أن يتحدث عن المعاناة والصعوبات التي يلاقيها في قلب وطنه المحتل، أو عندما يفكر في السفر إلى خارجه، معللاً رفضه بالقول: الحديث عن معاناتي الخاصة لا يمثل سوى جزء بسيط مقابل التضحيات التي يقدمها كل أبناء شعبنا، كلنا مستهدفون، لا تتوقف ملاحقتنا، واضطهادنا، وتوقيفنا، واعتقالنا، وما تشهده فلسطين دوماً حالة من القوة والوحدة الإسلامية والمسيحية التي جسدتها الإمارات بلقائنا التاريخي على أرضها.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق