منهل، الدّمعة المُــباغتة
11/10/2021 - 08:11:59 am

منهل، الدّمعة المُــباغتة

(لروح منهل مصري الذي غادرنا بغتة، يوم السبت، 9/10/2021)

رفيقي منهل، 

     اسمح لي أن أحسدك على قدرتك على المباغتة، كنت تتحدّث في السّياسة، فتباغتنا النّكتة من بين ثنايا المبادئ، ومن فوق المواقف، ومن خلف الخطوط الحمراء، ومن تحت جدار الفصل، كالمياه تجري تحت أقدام جديّتنا، ونحن كالمغفّلين، مشدوهون، كيف انزلقنا من قاع الخدعة إلى قمّة الضّحكة المدوّية؟! 

     اسمح لي أن أحسدك على هدوء أعصابك حين يغلي حديد النّقاش على مرجل القضيّة، كنّا نحترق من الدّاخل، ويَصلي الغليان أصابعنا حين نقترب من الحلقة، وكنت تقف مبتسمًا، تدعونا للتروّي، وفهم أسباب الظّاهرة الحارقة، وتطعّم الكلام بقليل من الملح وكثير من الابتسام، فتهدأ القلوب حولك، ويبرد الحديد عندك، ويتمدّد العقل على شاطئ المنطق، وينحسر الموج مع جَزْر العاطفة. 

     اسمح لي أن أحسدك لأنّك لم تكبر، كيف ضحكت على الزّمن الذي ألقانا نحن في كهولتنا وبقيت أنت تلهو في طفولتك؟! هل حكيت له نكتة بصوت منخفض لم يسمعها سواه، فوضع كفّه على فيه كيلا يراه النّاس، فيُفتضح أمره، وتَرخص هيبته، ويُستهان، وتركك طفلًا كما رآك؟! كيف ضلّلته يا رفيقي، ولماذا تأخذ السّرّ معك؟! 

     جمعتنا طريق الحزب بأمثالك، "يزدحمُ النّاسُ على بابِهِ - والمنهلُ العذبُ كثيرُ الزّحام"؛ فأحببنا الطّريق، كالطّلّاب الذين يحبّون الموضوع من أجل محبّتهم للمعلّم؛ نعم، لقد غمرتمونا بالمرح البهيج، ونحن نعمل تطوّعًا، ونحن نرفع صوتنا بالهتاف، ونحن نوزّع المنشور، ونحن نُعدّ العُدّة للأوّل من أيّار، ونحن نتعرّف على الرّفاق في المؤتمر، ونحن نعارك المتطرّفين المعتدين على المسيرة، ونحن نبيت في المعتقل ... من أين ينبع هذا المرح الثّوريّ المتفائل يا رفيقي، منهل؟! 

     من لا يعرفك عن قرب يا رفيقي، يجهلك؛ في كلامك لين عذب يستهوي القلوب، وفي موقفك صلابة جلمود الصّخر يعجز السّيل أن يحطّه من عل. تبدو كموجة تبلغ مداها وينكسر تقدّمها على رمل الشّاطئ، فينخدع من لا يعرف البحر فيتقدّم في مياهه، حتّى تعلوه موجة تالية عالية عاتية؛ فأنت مثابر كالموج ما بقي البحر، وما بقي الحزب، وما بقي الأمل، يا منهل! 

     أجدت مباغتتنا في كلّ لقاء بك، أيّها الحبيب منهل، وأنت تجيد مباغتتنا في مماتك كعادتك، لم يتغيّر فيك شيء، أيّها الثّابت في زمن التّحوّل، وأيّها الغائب في زمن يتنافس فيه المتنافسون على الحضور، وأيّها الباقي رفيقًا شابًّا ثابتًا، رغم رحيلك الطّفوليّ المباغت. 

     هل كنت تعلم أنّ الزّمن الذي تركك طفلًا سيعود إليك يومًا ما؟! أم أنّه عاد متنكّرًا فلم تباغته بطُرفة حاضرة، فضلّلك، وخدعك، وباغتك على حين غرّة يا رفيقي؟! لماذا لم نحظ باحتضانك في حياتك وبالبوح لك بأنّنا نحبّك؟! لماذا نُحرمُ منك ولم نعترف أمامك بحبّنا الكبير لك، يا منهل؟! 

     ولكنّني على يقين من أنّك كنت تعرف كم نحبّك، وإلّا من أين نبع المرح، والحبّ، والتّفاؤل، والأمل الذي ملأ قلبك وحياتك وقلب كلّ من أحاط بك وحياته؟! ضع يدك على قلبك يا منهل، فمن أحببته أحبّك. ولأنّنا نحبّك سنبقى أوفياء لذكراك العطرة، أيّها الرّفيق المثقّف الثّوريّ الصّلب المتسلّح بالأمل الذي لا يشيخ أبدًا!     

من مُحبّيك ومقدّريك 

إياد الحاج 

10/10/2021 

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2021 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق