كتاب «الجمهورية» لأفلاطون كرائعة الفكر الفلسفي والسياسي
17/02/2020 - 10:31:32 pm

كتاب «الجمهورية» لأفلاطون كرائعة الفكر الفلسفي والسياسي

بقلم : الدكتور منير توما كفرياسيف

 

إنّ كتاب «الجمهورية» (380 ق.م.) لأفلاطون هو رائعة الفكر الفلسفي والسياسي ، الذي يتناول ويسأل أسئلة حول المجتمع ما زالت تُبحَث وتناقش في أيامنا هذهِ . إنّ محادثة أفلاطون المُتَخيّلة عن طبيعة العدالة في جمهورية مدينة كانت قد اسْتُلْهِمَتْ عن طريق تجربته المفعمة بالجروح لظُلم الدولة . 

وُلِدَ أفلاطون (348-428 ق.م.) في أثينا ، حيث أصبح تلميذًا لسقراط ، أحد الآباء المؤسسين للفلسفة الغربية . وعندما انتقد سقراط الحكومة الأثينية ، حُوِكمَ بِتُهَم مُلَفّقة كاذبة في محكمة كنغرية (محكمة لا تُراعى فيها قوانين) ، وتمَّ الحكم عليهِ بالموت . وقد شهد أفلاطون الأيام الأخيرة لمعلّمهِ سقراط بحيث جعله مشمئزًّا من الظلم الصادر عن الدولة مما أدّى بهِ الى ترك أثينا باحثًا عن مجتمعات أكثر انصافًا وعدالةً . وقد كتب كتاب «الجمهورية» بعد عودتهِ . لقد أخذت كتابات أفلاطون بشكل عام طابع الحوار السقراطي – بمعنى المحادثة الخيالية كما لو كان سقراط يخوضها . إنّ سقراط ، الشخصية المركزية في كتاب «الجمهورية» يسأل سؤالًا حيال رفاقه ويتماثل ويتطابق معيّنًا عيوبهم ونقائصهم في إجاباتهم . وهذه العملية تتكَرّر 

لغاية ، كما هو مأمول ، أن يتم الوصول الى إجماع حول حقيقة لا عيب ولا خلل فيها . وفي كتاب «الجمهورية» السؤال هو «ما هي العدالة ؟» . 

إنّ كتاب «الجمهورية» يتضمن احدى قصص أفلاطون الرمزية الاستعارية والكنائية الثابتة – النار في الكهف . تصوَّر وتخَيَّل بعض السجناء الذين قضوا كل حياتهم في كهف ، مقيدين بالسلاسل والأغلال بحيث يواجهون فقط جداره الخلفي . إنهم يشاهدون أشباحًا وظلالًا ملقاه على الجدار بواسطة نار مخيّم ويتخيّلون الأشياء التي من المُحتمل أنّها صنعتها . إنّ الاشباح والظلال هي الواقع الوحيد للسجناء . 

ولكن لنفترض أنّ أحد السجناء أُطلق سراحه وتحرّر من الكهف . إنّه الآن يمكنه أن يرى النار والأشياء الحقيقية ، مع أنه لا يستطيع في البداية أن يقبل واقعهم وحقيقتهم بالمقارنة مع الأشباح والظلال التي تعوَّد عليها . بتركهِ الكهف ، يجد واقعًا وحقيقةً متوازنة شديدة في ضوء النهار اللامع ، وأخيرًا يرى الشمس نفسها ، الرمز النهائي للطيبة والصلاح . وبعودتهِ الى

 الكهف ، يُصاب الآن بالعمى بواسطة الظلام ، لكنه حرفيًا قد إستنار . إنّه فيلسوف الآن ، مع واجب أن يتقاسم ويشاطر النور . 

إنّ أفلاطون يقوم بالتمييز بين الظلال والأشباح وبين الأشياء ، والذي يحاكي التمييز بين الأشياء المجرّدة أو الابنية والتراكيب الاجتماعية والصور أو الأشكال المثالية أو الأفكار التي تحاول أن تمثّلها . إنه عمل الفيلسوف ليتماثل ويطابق هذهِ المُثُل . 

إنَّ المناقشة والبحث السقراطي يجري طبيعيًا من العدالة الى طبيعة الصالح العام ،والى حقوق ومسؤوليات الدولة ومواطنيها . وبالفشل بايجاد نموذج أو مثال حقيقي لمجتمع عادل صحيح ، فإنَّ سقراط ورفاقهِ سرّعوا في بناء مدينة – دولة افتراضية مِن الرسم المحفور كتابةً . ويكون الزعيم أو القائد ، في تصوّرهم، الملك- الفيلسوف . إنَّ الأكثر أهمية من خلاصة كتاب «الجمهورية» هو عملية أو قيمة بحث ومناقشة الأفكار . ويمكن القول أنَّ كتاب «الجمهورية» تاريخيًا وفلسفيًا هو العمل الأكثر تأثيرًا من نوعه منذ كتابتهِ والذي ما زال يُقرأ الى أيامنا هذهِ .

وهكذا ، فإنَّ كتاب «الجمهورية» هو رائعة أفلاطون ، ليس فقط بسبب أنّه يقدِّم دفاعًا مُدهِشًا عن مفهوم الكاتب حول الدولة المثالية ، لكن أيضًا لأنّه يعطينا الصورة الباقية والمقنعة لسقراط كفيلسوف ناقد ومُبدع ومبتكر . ومع أنَّ النقاش أو الجدل البَنّاء لهذا الحوار يأتي من فم سقراط ، فإنّه من المأمون القول والافتراض بأن الكثير من الفلسفة في هذا الكتاب هي أفلاطونية الأصل . وبعبارة أخرى ، يمكن القول أن الطريقة هي سقراطية ، لكنّ المضمون قد زوّده أفلاطون نفسه لقرّاء كتابهِ ومتلّقي أفكارهِ .

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2020 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق