الأعشى بقلم هادي زاهر
2009-02-06 09:03:30
احتار مصباح المنور في أمره. فرغم كبر سنه إلا أن شبقه كان قوياً، وقد أضحت زوجته عجوزاً وفقاً لاعتباراته ولا تلبي احتياجاته. أخذ يفتش عن حيلة ينفس بها عن طاقته، وسرعان ما وجدها. ذهب عدة مرات إلى "بنات الهوى" ولكن ذلك كان يكلفه الكثير من النقود غير موجودة دائما لديه، إذ لم يكن لديه عمل ثابت. اسودت الدنيا في عينيه، ما العمل؟ ازداد ألمه عندما فكر في مستقبله ومستقبل أسرته في ظل واقعه حيث كبر الأولاد ومن المفروض أن يعمل على مساعدتهم في إنشاء دور للسكن وتكوين مستقبل لهم. ندم كثيراً لأنه لم يتعلم إذ كان ذلك من الممكن أن يقيه شر الفقر وغدر الزمان. لعن طالعه وتاه بأفكاره المتشعبة ثم قال لنفسه: لن أتحول إلى متسول في سبيل العيش. عليَّ أن اخلق المَخرَج لمشكلتي. بعد تفكير طويل قرر أن ينضم إلى حركة "المحادرة" وهي حركة مواجهة للسلطة تعمل في مجتمعه. هناك أخذ يظهر غيرته الكبيرة على التنظيم ويطرح الأفكار الثورية التي سرعان ما نالت أعجاب الزملاء وتقدم في الحركة حتى اختير أميناً للصندوق. وجنباً إلى جنب أخذ يشكو وضعه المالي وطلب من أعضاء الحركة التوقيع على كفالة لقرض طلبه من احد البنوك. استجاب الأعضاء لطلبه شفقة، وقد سانده أيضا صديقه "إياد". وهنا قرر أن"يحوش" ما دفعه البنك مع ما تواجد في صندوق الحركة ويفر هرباً، ولكن ليس قبل أن يترك زوجته، ففي ذلك مخرج لأكثر من إشكالية؛ من ناحية واحدة يخلص من الالتزام في مساعدة الأولاد، كما أن الزوجة قد شاخت ومن الممكن اصطياد فتاة صبية ثرية، وهكذا تخلص من كافة الإشكاليات التي وقع فيها. تباً للقدر ما أظلمه! لكن ذلك يتوجب خلق مشاكل تعطي التبرير لخطوته. أخذ يوسع الخلاف مع زوجته لأتفه الأسباب. كان حين ينظر إلى المجلى ويجد صينية أو صحناً عليه يصرخ بزوجته قائلاً:
- لماذا لم تنظفي المجلى حتى ألان؟
وحين كان يجد كرسياً وسط الغرفة يصرخ مجددا:
- بعدين معك بدكيش تصيري تعرفي ترتبي البيت؟
وحين كان يتأخر الطعام قليلاً يهيج
-آه أنت موَّتينا من الجوع، مش حياه هذه.
أدركت الزوجة الفاضلة أن زوجها في أزمة. تحاشت النقاش معه منعاً للخلاف، وكان خلال هذه الفترة يرسم خطته. ينظر إلى المرآة ويفكر كيف يظهر شاباً، وسرعان ما قرر أن يصبغ شعره. أسود أم أشقر؟ احتار في اختيار اللون. أخيراً قرر أن يصبغه باللون الأشقر الباهت، وقال لنفسه:
-إن هذا اللون هو الأقرب للون بشرتي ولن يلاحظ الناس باني قد صبغت شعري. وبعد أن فكر طويلا قرر بيع الأرض التي كان قد ورثها عن أبيه. تألم كثيراً في البداية خاصة وانه كان يعلم كم ستكون صعبة حياة أسرته خاصة لأنه فكر في التراجع عنها. نفخ نفساً طويل:
- افففففففففففففففف
لكنه عاد ليجد المبررات لفعلته إنها لا تفهمني جيدا من حقي أن أعيش
-أنتِ طالق
فاجأ زوجته التي نزل عليها الخبر كالصاعقة فأخذت تبكي مستجدية:
-الآن بعد طول عمر، كيف ستدبر الأولاد الذين جاءت بهم إلى الحياة أليس ذاك حراماً؟ دعني خدامة عندك، مش عشاني عشان الأولاد اللي هم اليوم بحاجة إليك أكثر من أي وقت مضى.
حاولت ثنيه عن قراره إلا انه لم يرضخ أمام استعطافها وصرخ في وجهها:
- خلص بطلتي تنفعي، قرف يقرفك
حزم أمتعته وسافر ليعيش في قرية نائية. كثيراً ما كان يسافر ليصطحب أحد بنات الهوى في ليلة حمراء فقد أضحت النقود متوفرة بعد الحصول على القرض وتحويش ما كان في صندوق الحركة وبيع الأرض. وكان يحرص على الحضور إلى بيته المستأجر مع ربطة عنق وحقيبة مدراء ليوحي بأنه شخصية مهمة، وقد نجحت الخطة حيث نجح في الإيقاع بإحدى الفتيات في شباكه، فتزوج منها ولكن الفتاة لم تكن غنية كما أراد. فسرعان ما نفذ المال، وعاد يعاني مجدداً. فتش عن عمل يكسب به قوته لكن مؤهلاته لم تكن تجيز له العمل في وظيفة محترمة، وبعد تفكير طويل قرر أن يعمل منجماً، وكيف سيكون ذلك؟
فكر قليلاً وسرعان ما وجد الوسيلة، اتصل بشقيقته التي كانت تسكن أحدى القرى وشكا له ظروفه، مبدياً أسفه على أخطاء الماضي. وأقنعها بان تعمل معه بعد أن شرح لها الآلية:
- كل ما هو مطلوب أن تتقصي أخبار الناس وتزوديني بها أولا بأول، وبعد أيام معدودة أكون قد حفظت المعلومات فأحضر وأقوم بعملية الفتح بالفنجان مبرزاً المعلومات ونتقاسم الأرباح.
هكذا بدأ يصطاد الناس اليائسين والبائسين.
كان بعد احتساء القهوة، يمسك بالفنجان محدقاً ثم يرفع رأسه وهو ينظر باستغراب إلى وجه زبونته
انظري .. أنظري داخل الفنجان لديك مشكلة ( يصمت قليلاً ثم يكمل حديثه بعد أن يظهر وكأنها انفرجت أساريره) ولكن هناك عمود فرج أنظري إلى الفتحة في الدائرة السوداء.
تحسنت ظروفه المادية فقرر أن يحترف مهنة أخرى ولحسن طالعه وجد صديقه "ساهر" الذي سهل أمره. سوف أصبح كاتباً، قال لنفسه، آه شو فيها، بدأ يكتب القصة القصيرة ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، وجن جنونه عندما لم يلتفت إليه أحد من الأدباء.
سوف أصبح ناقدا. العملية ليست صعبة. أفتش عن أقوال الفلاسفة الأجانب المترجمة واطعّم مقالاتي بأقوال هؤلاء الفلاسفة فأظهر مثقفاً وأصفي حساباتي مع كبار الأدباء، سوف أستفزهم جميعاً. سأكون محط انتباه الحركة الأدبية كلها.
نهض مسروراً لفكرته الجديدة، توجه إلى المرآة لترتيب هندامه. شاهد جذور شعره البيضاء وقد ارتفعت فوق الجلد فقرر أن يصبغه. مزج المركب الخاص الذي كان يحتوي المواد الكيماوية المثبتة للصبغة وكان على عجلة من أمره، فانسكبت المادة على رأسه دون أن يحركها جيداً فسالت على عينيه وعلا صراخه، وما زال يصرخ وليس من مجيب
لقد أصبح أعشى، اختلطت عليه النقاط والحروف في الكلمات فأضحى يرى أل ..نور= بور- وال.. قرار= فرار – والجوار = خوار، كما أضحت تزعجه زقزقة العصافير فيعتبرها نعيقا
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق