حديقة السفاري البشريّة!! بقلم: مارون سامي عزّام
2013-07-13 13:34:55

سياج الآلام الذي يحيط حياتنا، أصبح لا يُطاق، لم يعُد بمقدورنا عبوره لأن أسلاك الأنين شائكة جدًا... تحاصر أجسادنا الآلام العضويّة الجانبيّة والخفيّة، فنرتاع منها... تقبض على بعضنا آلامًا نفسية فظيعة، فتؤرّق عيشنا، بعضنا الآخر يتغاضى عن رؤية مسيرات الآلام الإنسانية، التي نعيشها يوميًا، الناجمة عن ارتفاع نسبة العنف إلى أقصى درجات الإجرام الوحشي فخدّرَت أعصابنا، ولم تعُد تبالي بهذه الحوادث الرهيبة، لأنها باتت نوعًا من الروتين المُقلق!!
ما أستغربه في هذه القضية، أن بعض مواقع الإنترنت المحليّة الشهيرة، العالقة في الشبكة العنكبوتيّة، تُحوّل تلقائيًا أي حادثة قتل أو طعن إلى خبر عاجل! وكأنها نادرة الحدوث أو عديمة الوجود، أو تعتقد أنّنا نعيش في الدول الإسكندنافية! مع أنها تَحدُث يوميًا وفي كل لحظة وفي كل ثانية في مجتمعنا الذي تحوّل مع مرور الزّمن إلى حديقة سفاري بشريّة!!
اليوم صرنا نسير في الأزقة متلفّتين خوفًا من قطّاع الطرُق المتربّصين، وذلك نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصاديّة، وارتفاع الأسعار، والتقليصات الحادة التي تفرضها الحكومة على الشعب، لتحافظ على نموها الاقتصادي!! تنسى أنها التي تقضي على العيش الكريم لعامة الشعب، ولها مساهمة غير مباشرة في نشر أساليب العنف!
نمُر بين الأحياء متوترين، لئلاّ نصادف عراكًا شبابيًا على خلفية طائفيّة أو شخصية، فبعض الشّبان تمردوا على القيَم... الوقاحة والفوقيّة هُما آلية تعاملهم مع أهاليهم... يستهترون بتدخّل الكبار، فهُم يعتبرون تدخّلهم إخمادًا لثورة غضبهم، الرّافضة تمامًا لأية تسوية بين أبناء هذا الجيل. فلذلك نجد الأنا يتصارع مع كبريائهم... خلفياتهم تتنافى مع تصرفاتهم المشينة... غريزة الشر تُحرّض أخلاقهم على الفسق، لأنهم يعيشون في حلبة المصارعة، ليفوزوا بميداليات فُتوّات الأحياء.
كم نحلُم في كثير من الأحيان أن نقود سيارة مصفّحة، لئلاّ يصيبنا عيار ناري طائش، يخترق زجاج السيّارة، يطلقه علينا أحد سماسرة المخدّرات، فيغتالنا في لحظات دون أن نقترف ذنبًا، لأن الشرطة عاجزة عن اتخاذ أي إجراءٍ وقائي ضد منظّمات الإجرام المنتشرة في مجتمعنا، عاجزة عن ملاحقة المجرمين، وكشف هويّتهم، وتقديمهم إلى العدالة. الشرطة في هذه الدولة، تتغاضى عن تهريب السّلاح، لأنها معنية بانتشار العُنف وبيع الأسلحة الممنوعة، في الوسط العربي تحديدًا، كي نَظَل مُتصدّرين عناوين الصحف الإسرائيليّة، كأصحاب أعلى نسبة إجرام في إسرائيل!!
العنف لم يعُد محصورًا في منطقة معيّنة، بل أصبح منتشرًا في كل أنحاء المجتمع العربي، إنّه يُغطّي كل مساحته... يغّطي كل مجالاته، فنجده مستشريًا بين أفراد الأسرة الواحدة، على خلفيات متعدّدة والأكثر شيوعًا على خلفية شرف العائلة!!... كذلك في المؤسسات العامّة... في الملاعب الرياضيّة... لقد طال العنف حتّى كبار السّن والمستضعفين... هذه الحالات تصب في خانة العنف الاجتماعي النّاجم عن ارتفاع أدرنالين التوتّر في دم بعض الشبّان، بسبب عولمة مفاهيمهم الشبابيّة غير التقليديّة!
العنف بمفهومه الحديث لم تعُد بُنيته الانتقام، إنّما هو عبارة عن خلايا ترهيبيّة خاملة، موجودة في كل مكان، توقظها نماذج لشخصيات شاذّة اجتماعيًا، تعاني من عقدةٍ نفسية، أو ربّما نمت في بيئة مفكّكة أسريًا. إن هذه الشهامة الوحشيّة، تحرّكها غريزة التسلُّط بالقوّة على أي شيءٍ صعب المنال! مهنتها البلطجة... تفكيرها سادي، فتضطر لاستخدام أي شكل من أشكال العنف، لكي تُثبت أحقيتها في كل شيء، عن طريق فرض سياستها العدوانيّة على الآخرين!!
نحن بالفعل نعيش في حديقة حيوانيّة بشريّة مفتوحة، وكما تُسمّى "حديقة السفاري"، إذ نخاف أن نسير لوحدنا في الشّارع، بل نحتاج لحرس شخصي مسلّح، لئلاّ يهاجمنا حيوان بشري شرس على غفلة. في حديقة السّفاري، نتوقَع مُسبقًا أن نصادف حيوانات بريّة، من فصيلة آكلي اللحوم، تسرح في أرجائها، لتنعم بشبه الحريّة...
... بينما في حديقة السفاري البشرية، نجد فصيلة بني البشر، تطوَّرت طبيعتها إلى ما بعد نظرية داروين للنشوء والتطوّر، إذ أصبحت عدائية إلى حدٍ كبير، ولا يمكن ردع هذه النوعيّة من البشر، وأي عملية تأهيل لهم، غدت شبهَ مستحيلة في ظلِّ اللامبالاة والتجاهُل من قبَل الدوائر الرسمية المسؤولة.    
    

 

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2020 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق