المنيّـة بقلم هادي زاهر
2008-11-15 22:26:24

" مهداة إلى أهلنا المشردين في بقاع الأرض وخاصة أهالي مدينة طبريا "

اعتاد حمزة على مرافقة أهلة، لزيارة ضريح النبي شعيب عليه السلام، الواقع على جبل حطين وذلك للتبرك من جهة، والترفيه عن النفس من جهة ثانية. كان هناك يجد حريته، فالساحات الواسعة تتيح للفتية اللعب دون أن يعترضهم أحد. كان الفتية عادة ما يسرحون في الحقول المجاورة، ويأكلون من تينة باكية؟!! ثم يعرجون على المسجد الذي مازال يشهد بأنه قد كان للمكان أهل شردوا منه في بقاع الأرض، فزرعوا في نفوس أولادهم وأحفادهم المحبة والحنين لفردوسهم السليب، الذي كانت مزروعاته ترتوي من النهر المبارك، الذي شرب منه جواد صلاح الدين قبل أن يعلم الأيوبي بالموقع المقدس. وقبل أن يبني قاهر الغزاة غرف العقدات والتي مازالت عصب البناية الشاهقة للمقام بالرغم من مرور القرون؟! وكان النهر (يجرف الزلمي) على حد تعبير كبار السن، إلا أن شركة "مكيروت" (شفتطه) دون أن يعترضها أحد؟!!. ليتحول النهر إلى عين ماء تكفي الزوار وفقاً لما تراه الشركة مناسباً.

كان الفتية يصعدون إلى المنارة، ثم يتسللون إلى الشرفة بحذر شديد خوفاً من افزاع طرد نحل، وجد في سقف المنارة بيتاً أمناً مباركاً ليُسبح بأرئه، قبل وبعد أن يجني (الدواء) الذي يشفي الكثير من العلل، ويزرع المحبة بين الزهور لتتفتح وتنشرح على الحياة، ناشرة أريجها في الهواء، لتنعش الأحياء، وينتشر بين شتى النباتات، هامساً لزهورها، أحبوا بعضكم بعضاً، وناقلاً للرسائل فيما بينها، ليتدفق العطاء، ثماراً مباركة يواصل من خلاله الأحياء استمرارية وجودهم. كانت الهبات تجني العسل بلا كلل أو ملل، فالعسل يسيل على الجدران ويقطر على

الدرج ليدب فيه الحياة نيابة عن أهله.

وكانت العائلة، عادة ما تعرج إلى تحت سطح البحر(مدينة طبريا) لتجلس على شاطئ البحيرة، وهناك يغوص الذكور في الماء، وتجلس النسوة على الصخور لتبل أقدامها؟!! وهو مسار شبه شهري تسلكه الكثير من العائلات في وسطنا.

وكبر حمزة.. ولكي يتقن فن العوم مر بأكثر من دورة لتعليم السباحة، مما عزز ثقته بنفسه، فسلك طرق المغامرات، ليلفت انتباه الأقرباء بقدراته، غير آبه للافتات التي تعلم المواطنين بأن المكان غير مُعد للسباحة. ولن تثنيه تعليمات أحد المسؤولين بعدم الدخول إلى المياه، وكانت حجته: لماذا أنا بالذات وأشار بإصبعة قائلاً للمسؤول:

- إلا ترى المستحمين هناك؟

اعتقد أن مياه البحيرة ساكناً ولن يكون خطيراً، خلافاً لمياه البحر الهائجة التي كادت أن تخنقه. تذكر ذلك جيداً، فقد ذهب ذات يوم للسباحة في البحر برفقة الأصدقاء، وعندما أنهك قرر العودة، وعندما اقترب من الشاطئ، وفي ذات المكان الذي دخل منه، أراد أن يستريح.. أنزل قدميه لكي يمشي على الرمال، ولكنه فوجئ بأن المكان أضحى عميقاً؟!! وكان تيار تحت الماء قد جرف الرمال.. حاول جاهداً التقدم حتى لامست قدماه الرمال التي أخذت تهرب من تحت قدميه، كما أن التيار أخذه في اتجاه الجنوب. أخذ يحارب التيار بكل قواه.. وكان كلما حاول أن يتقدم إلى الأمام يجد نفسه مبتعداً أكثر إلى الخلف جنوباً.. أنهك كلياً، فتشنج ساقه وشرب مياهاً كثيرة.. حدث نفسه قال: خلص.. رحت.. خارت قواي كلياً، واستسلم للتيار، فانساب معه وهو في حالة غيبوبة.. ولكن لحسن طالعه اصطدم رأسه بصخرة فاستفاق وتعلق بها…تنفس الصعداء وهو يتشبث بالصخرة وحمد ربه على نجاته وقرر عدم السباحة في البحر، وتذكر القول المأثور.. "البحر غدار".. هذه التجربة دفعته إلى التعلق في البحيرة الساكنة، والحقيقة هي أن أسرار كثيرة تكمن في هذا السكون.

الأمر الذي يجعل الغرق فيها أكثر، ويختلف عن الغرق في البحر. إذ أن تربتها لاصقة ومياهها الحلوة تسحب المستحم إلى أسفل، خلافاً لمياه البحر المالحة، التي تساعد المستحم وتدفعه إلى أعلى. كما أن خطورتها تزداد مع بداية فصل الصيف، إذ أن ذوبان الثلوج عن جبل الشيخ تجعل المياه تتدفق بسرعة محدثة تياراً قوياً تحت السطح، إضافة إلى الأنهر التي تصب في البحيرة من عدة جهات، مما يجعل البحيرة سطح المياه ساكناً.. مجنونة.. تحت السطح. وهذه التيارات تتحكم بالمستحم وتؤدي إلى جرفه نحو أرضية البحيرة، ولكنها وبالتالي تؤدي إلى إنتاج حفر كثيرة تفاجئ المستحمين أثناء مشيهم.. إنها (كأفعى تحت التبن) والتي تترصد لفريستها، لتنقض عليها بمنتهى السرعة بعد طول سكون.

استمرت العائلة في مسارها سعيدة.. وفي مسارها السعيد.. زيارة ضريـح النبي شعيب عليه السلام ومن ثم التعريج إلى البحيرة. وكان حمزة الذي اشتد ساعده، يسرع في الغوص حتى كان ذات يوم.. قفز من فوق صخرة وهو يشق المياه بيديه، وغاص تحت الماء، ليظهر وقد توغل كثيراً، ولم يسمع صوت أهله وهم يطلبون منه أن يعود.. حالة من الذعر الشديد انتابت الأسرة وهي تراه يتوغل أكثر وأكثر.. أحد المارة أراد أن يساعد الأسرة في مجهودها فأخذ ينادي وهو يلوح له بيده. عمه وضع أصابعه في فمه وأخذ يصفر.. بردت أعصاب الأسرة عندما رأته يعود، وتنهد الوالد وما أن أقترب من الشاطئ حتى أمطر بوابل من التوبيخ: "ألا تخجل.. ألا تفهم.. إنها أخر مرة".. تنهد الوالد مجدداً وقرر أن يبرد على أعصاب أسرته فذهب إلى كشك قريب لشراء البوظة. لكن حمزة استمر في دخوله وعودته من وإلى الشاطئ ثم توغل وهو يضحك ساخراً من خشية أسرته الغير مبررة في نظره… وفجأة شعر بأنه ليس مالكاً لإرادته إذ أن تياراً قوياً باغته وجعله ينساب معه؟! حاول المقاومة، ولكن.. نجح بمهارته بعد جهد كبير في التخلص من التيار، وساعده في ذلك سرب كبير من الأسماك يسير في الاتجاه المعاكس للتيار مما هدأ التيار، فتنفس الصعداء، وحمد ربه، لكن ذلك لم يدم طويلاً.. سرب أخر من الأسماك كان يسير في اتجاه التيار مما جعل التيار يعود بقوة أكبر؟!! تخبط كثيراً ودخل الكثير من المياه في جوفه، فأخذ يتخبط بقوة.. لم تغفل عين الأم عن أبنها لحظة.. شاهدته، وأدركت بأن أبنها في خطر فأخذت تصرخ وتستغيث، ومع مرور المتجولين طلبت من أحد المارة مساعدتها وهي تبكي:

- يا خواجا بالله عليك. ابني يختنق.

لكنها فوجئت به يقول لها:

- إنت واحد مجنون.. إنت ما بعرف يكرا.. هون ممنوع بسبخ.

- مجنون يسطحك يا ابن الكلب.

واستمرت في صراخها وحركاتها المجنونة.

- من شان الله.. يا عالم.. يا ناس.. ابني.. ابني…

سمع صراخها عدد من الشباب تدل لهجتهم على أنهم من المثلث الجنوبي، فحضروا مسرعين يسألونها: وين ابتش تشان يسبح يا خالتي.

أشارت بإصبعها وإمارات الجزع تمسك بتلابيبها:

- هناك.. هناك.. كانت فقاقيع المياه واختفت.. ابني.. ابني.. من شان الله يا ناس.

اختنق صوتها بالبكاء فدبت الحمية في نفوس الشباب الذين قفزوا إلى الماء بملابسهم.. غاصوا في اتجاه الإشارة وما هي إلا لحظة قصيرة حتى شق أحد الشباب المياه صاعداً وهو يحمل حمزة.. صعد وألقاه على الأرض، ثم صعد بقية الشباب وحملوا حمزة ورأسه إلى أسفل. فتدفق الماء من فمه، تجمع المارة وأخذ بعضهم يساعد الإسعاف.. تحرك حمزة.. فتح عيناه وأخذ يتمتم بتمتمات غير مفهومه كانت الأم خلال ذلك مشدودة.. كانت تبحلق وهي فاغرة فاها، وما أن شاهدته يتحرك أكثر حتى راحت تهج بالدعاء:

الحمد لله.. الحمد لله.. يخلف عليكوا يا خالتي.. يخلف عليكوا.. انكتب لابني عمر جديد بفضلكم.. الله يوفقكوا.

حضرت سيارة الإسعاف فقام طاقمها بالفحص وأعلموا الأب الذي كان قد عاد وهو يحمل كيساً، بان رمشة عين فصلت حياة ابنه عن الموت.. تسأل الأب باستغراب شديد:

- كل هذا أثناء غيابي القصير.

وهنا انتبه أحد الشباب إلى عدم وجود أحد أصدقائهم ممن غطسوا

للبحث عن حمزة، فتسأل:

- أين عمر؟!

تسأل الجميع: صحيح أين عمر؟! وغاصوا مجدداً في المياه باحثين عن زميلهم عمر، فلم يجدوه إلا في ساعات المساء داخل حفرة مختنقاً.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق