الشَّيخِ فَنْدِي شُجَاع يقولُ لِلشَّيخِ أَبي علي سْعِيْد سلامة مِن يِرْكا عام 1925: لَنْ نُسَلِّم أَسلحتَنَا للفرنسيِّين.
2016-08-23 21:08:10
الشَّيخِ فَنْدِي شُجَاع يقولُ لِلشَّيخِ أَبي علي سْعِيْد سلامة مِن يِرْكا عام 1925: لَنْ نُسَلِّم أَسلحتَنَا للفرنسيِّين.
مِن أَرشيف البروفيسور علي صغيَّر
 
المرحُومِ الشَّيخِ فَنْدِي شُجَاع، شيخِ خلواتِ البَيَّاضَةِ بِلُبنانَ، يقولُ في رسالةٍ لَهُ مُوجَّهَةٌ لصديقه المرحُومِ الشَّيخِ الجليل أَبي علي سْعِيْد سلامة مِن يِرْكا، خلالَ أَحداث الثَّورةِ السُّوريَّة الكُبرى، ومعاركِ الدُّروزِ معَ جيشِ الانتدابِ الفرنسيِّ في وادي التَّيمِ وجنوبِ لُبنان: لا نستطيع أَن نُسَلِّمَ أَسلحتنا إِلى سلطات الانتداب الفرنسي على سُوريا ولُبنان، ولا أَن ندفع لها غراماتٍ ماليَّةً كما هي تُريد وتطلب. الرِّسالةُ بدونِ تاريخ، ولكنَّها رُبَّما مِن عام 1925. 
 
الشَّيخِ فَنْدِي يبدأُ رسالته بالسَّلام على الشَّيخ أَبي علي سْعِيْد، ثم يُذكِّرُهُ بالأَيَّام الهنيئة التي قضاها بِصُحبته وببيته في يِرْكا، ثمَّ يخبره أَنَّ سلطات الانتداب الفرنسي على سُوريا ولُبنان طلبت مِن دُرُوز وادي التَّيْم 500 بُندقيَّة و 6,000 ليرة، رُبَّما كعقابٍ لهم على دورهم في الثَّورة السُّوريَّة الكُبرى، والشَّيخ فَنْدِي يتذمَّر مِن الأَوضاع الرَّديئة السَّائدة ببلاده، ولكنَّه في نفس الوقت يقول لِلشَّيخ أَبي علي سْعِيْد سلامة أَنَّ سكَّان تلك النَّواحي لا يستطيعُون أَن يُلبُّوا هذا الطَّلب، أَي أَنَّهم يرفضون، وبحقّ، الاستسلام والرُّضُوخ لِسلطات الانتداب الفرنسي. ويُنهي الشَّيخ فَنْدِي رسالته بإِهداء التَّحيَّات والسَّلامات مِن أبناء عائلته ومِن عددٍ مِن أَصدقائه لأبناء عائلة الشَّيخ أَبي علي سْعِيْد سلامة، ولِعددٍ مِن أَصدقائه أَيضًا.  
وتجدر الإِشارة هُنا إِلى أَنَّ دُرُوز وادي التَّيْم، ومشايخ البَيَّاضَة على وجه الخصوص، كثيرًا ما كانوا، قبل أَحداث الثَّورة السُّوريَّة الكُبرى، وخلالها، وبعدها أَيضًا، يقدمون إِلينا في يِرْكا، وبشكلِ دائم، فكانت لهم معنا علاقات، وكانت لهم عندنا صداقات، وكان لهم أَحبَّاء ومُحِبُّون، وسكَّان القرية كانوا يستقبلونهم ويُضيِّفونهم على أَحسن وجه وأَتَمِّ صورة، وكثيرون مِن هؤلاء المشايخ كانوا يعرفون مخابئ مفاتيح بيوت سكَّان القرية، وكانوا، عند قدومهم إِلى يِرْكا، يتناولونها مِن مخابئها ويفتحون البيوت ويدخلونها، تمامًا كأَصحابها، حتَّى لو كان هؤلاءُ غائبين عنها. 
ونحن نقدِّم فيما يلي نصُّ رسالة الشَّيخِ فَنْدِي شُجَاع، وقد وضعنا بداخل أَقواس تصحيحيات لبعض الأَخطاء اللغويَّة والكتابيَّة التي وقعت أُثناء تدوينها، ووضعنا أَيضًا بداخل أَقواس عددًا مِن الكلمات مِن أَجل الإِيضاح.
 
 هكذا تقول الرِّسالة: 
حضرة أخونا (أَخينا) الجليل المُحترم الشَّيخ أَبو (أَبي) علي سْعِيْد (سلامة) أَصانه (صانَهُ) وحرسه الكريم المجيد 
غِب (بعد) إِهداكم (إِهدائكم) مواجب (واجب) الاحترام وبثِّ لواعج الوَجْد والغرام لِمُشاهدة طلعتكم المأنُوسة السَّاطعة الضِّياء والابتسام، المحفوفة بِالمِسك والعنبر والخُزام، ثمَّ المُبدي لرقمه (دواعِي كتابة هذه الرِّسالة)، أَوَّلًا طلبنا صفا (صفاء) خاطركم والسُّؤال عنكم وعن عالي سلامتكم التي هي عندنا غاية المقصُود لَدُنِ الملك المعبود، والثَّاني (والدَّاعي الثَّاني هو أَن) نتذكَّر أَفضالكم، ولا تبرحُوا (تبرحُون) مِن بالنا إِلَّا سُويعات قلائل، وإِنَّ الأَيَّام التي قضيناها بِقُربكم واقتطفنا بها مِن يانع أَثماركم لم عادت تعود (لَن تعود)، ولا يُبَرِّدُ غليلَها إِلَّا نُزُولنا في صمت الُّلحود، وإِنَّنا نحن اليوم في ظيق (ضيق) عظيم، نأْمل (أَن) تدعوا لنا بالصَّبر و(أَن) يكون الفرج قريب (قريبًا) بجاه الرَّسول الحبيب، ونٌخبركم أَنَّ دولتنا طلبت مِنَّا سِتَّة آلاف ليرة وخمسماية (خمسمائة) بارودة (كلمة غير مفهومة) قسط 800 ليرة (و) 100 بارودة، وطالبه (وطالبة، أَي وهي تطلب مِنَّا) خلافه (غير ذلك أَيضًا)، والعالَم (النَّاس) في ضيق عظيم، ولكن الأَمل بِحلمها تحفظ عَنَّا، لِأَنَّ العالَم لم تقدر (النَّاس لا يقدرون) على (تلبية) هذا الطَّلب. هذا ما لزم، مع إِهداء سلامنا وبَثِّ أَشواقنا على (إِلى) قرينتكم وأَولادكم وعلى (وإِلى) كل مَن لكم عليه الخاطر، كما مِن عندنا أَولادنا جمال الدِّين وأُخته، وأُختنا بهيَّة، وأَخونا أَبو قاسم محمود وأَهل بيته وأَخونا بو (أَبو) حسين يوسف علم الدِّين ومَن عنده جميعًا يهدوكم (يهدونكم) السَّلام ودُمتم بِحراسة خير الأَنام.
أَخُوكم
الحقير
فندي
شُجَاع
سلامُنا مخصوص على الشَّيخ أَبو (أَبي) يوسف أَمين أَبو (أَبي) فخري
ونسايبه (وأَنسبائه)، مع طلبنا صفا (صفاء) خاطرهم. 
 
حدَّثني والدي (والد كاتب هذه السُّطور، 1908 - 1974) عن موقفٍ مُشرِّفٍ وشُجَاع لِلمرحوم الشَّيخ فَنْدِي شُجَاع، قال: "عندما نشبت الثَّورة السُّوريَّة الكُبرى، ودارت المعارك في وادي التَّيْمِ وجنوب لُبنان بين الدُّرُوز والجيش الفرنسي، كُنتُ مُتواجدًا في خلوات البيَّاضة بِلُبنان، وفي أَحد الأَيَّام قدمت إِلى الخلوات مجموعة من جُند جيش الانتداب الفرنسي يرأسها ضابط كبير، وتقدَّم نحونا ذلك الضَّابط وقال انَّه يريد أَن يقابل المرحُومِ الشَّيخِ فَنْدِي شُجَاع، فقلنا له أَنَّ الشَّيخ غير موجود في الخلوات، فعَيَّن موعدا لِلقاء الشَّيخ وطلب مِنَّا أَن نعلمه بذلك وانصرف مِن المكان، ولمَّا أَتى الشَّيخ فَنْدِي أَخبرناه بِما جرى، فقال أَنَّه لا يُريد أَن يُقابل ذلك الضَّابط، ولا أَيَّ أَحد مِن أَفراد جيش الاحتلال، وفي الموعد المضروب قدم ذلك الضَّابط الفرنسي إِلى الخلوات وسأل عن الشَّيخ، فأَخبرناه أَنَّه مشغول وغير موجود، فبدت على وجهه معالم الغضب وعَيَّن على مضض موعدا ثانيًا لِلقاء الشَّيخ، وعندما عاد الشَّيخ فَنْدِي أَخبرناه بقدوم الضَّابط الفرنسي، فقال لنا مرَّة أُخرى أَنَّه يرفض لقاءه، وقُبَيْلَ حلول الموعد الجديد قال الشَّيخ فَنْدِي: فلنُغادر المكان ولنذهب إِلى كرمِ تينٍ كان في أَطراف حاصْبَيَّا، وأَذكر أَنَّ موسم التِّين كان قريبًا مِن نهايته، فذهبت معه أَنا ونجله الشَّيخ جمال الدِّين، وعندما قدم الضَّابط الفرنسي إِلى الخلوات وسأل عن الشَّيخ وعلم أَنَّ غير موجود استشاط غضبًا وقال لِلحضور أَنَّه لن يُغادر البَيَّاضَة إِلَّا إِذا أَخبروه بمكان تواجد الشَّيخ، فأُخْبِرَ بذلك، وفيما كُنَّا مع الشَّيخ فَنْدِي في كرم التِّين وإِذا بسيَّارة عسكريَّة فرنسيَّة تقف في طرف الكرم وتترجَّلُ منها مجموعةٌ مِن الجُنود الفرنسيِّين برئاسة ذلك الضَّابط، وتقدَّم الضَّابط نحو الشَّيخ فَنْدِي وقال له بلهجة عربيَّة ثقيلة: "أَنت رجلٌ "كِلْوَاتِي"، يقصد "خِلْوَاتِي"، أَي رجل دين، وأَنا أَحاول أَن أُقابلك وأَنت تتهرَّب، لماذا ؟"، فأَجاب الشَّيخ: "أَرفض أَن أُقابل رجلًا اعتدى علينا وظلمنا"، فقال الضَّابط: "أَطْلُبُ منك أَن تطلبَ مِن ربعك أَن يكُفُّوا حالًا عن قتالنا"، فأَجاب الشَّيخ: "مَن يجب أَن يأْمر ربعه أَن يكُفُّوا عن القتال هو أَنت وليس أَنا، فأَنتم المُحتلُّون ونحن المُحتلِّين، وأَنتم الظَّالمون ونحن المظلومين، وأَنتم المُعتدون ونحن المُعتدى عليهم، أَنتم تقصفوننا بِالطَّائرات والمُدرَّعات، وبِالمدافع والرَّشاشات، وتقتلون  العجزة والأَطفال والأَبرياء، أَمَّا نحن فلا نملك لِلدِّفاع عن أُنفسنا وبيوتنا وقُرانا سوى العزيمة والسِّلاح الأَبيض وبعض البنادق القديمة، ولن نهدأَ ولن تنتهي الحرب إِلَّا بعد تتوقَّفُوا أَنتم عن القتال".  
 
وبودِّي أَن أَذكر بهذه المُناسبة أَنَّ المرحوم الوالد تتلمذ أَثناء دراسته بِالبَيَّاضَة على يد المرحُومَيْنِ الشَّيخَيْنِ الوقُورَيْنِ أَبي علي مهنَّا حسَّان وفَنْدِي شُجَاع، وأَنَّ صداقة وطيدة ربطت بينه وبين هذينِ الشَّيخَيْنِ الجليلَيْنِ، وأَنَّ أُخوَّة صادقة ربطت أَيضًا بينه وبين الشَّيخ الجليل جمال الدِّين، نجل الشَّيخ فَنْدِي شُجَاع، الذي شارك في معارك الثَّورة السُّوريَّة الكُبرى بوادي التَّيْم وعمره سبعة عشر عامًا فقط، وأَثناء تواجد الوالد بِالبَيَّاضَة دَوَّنَ المرحوم الشَّيخ جمال الدِّين بيده الكريمة مخطوطتين غاليتين ونادرتَيْن وأَهداهُما له، ونحن لا نزال نحتفظ بهما ضمن أَعَزِّ ما نملك.
 
 
 
 
 
 
 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق