قراءة في المجموعة الشعرية "وأقطفُ صمتَ التُرابِ الجميل" لفاتن مصاروة
04/12/2017 - 07:30:03 am

المجاز الشعري المرتبط بالصورة

قراءة في المجموعة الشعرية "وأقطفُ صمتَ التُرابِ الجميل" لفاتن مصاروة

 

بقلم: الدكتور منير توما

كفرياسيف

عند قراءتنا لمجموعة فاتن مصاروة "وأقطفُ صمتَ الترابِ الجميل" نلحظ منذ البدايات طغيان المجاز اللغوي باستعاراتهِ المتنوعة التي توحي بالصور الشعرية الناتجة والمجسّدة لتجربة حسيّة مبدعة ذات دلالات ومعانٍ متباينة، خلقتها أحداث وافكار وطرائف شكلّت مصدر الهام واحياء واثراء للفكر في نظرته الى الكون والحياة.

لقد طرقت الشاعرة فاتن مصاروة باب الحرية المجازية (Metaphoric freedom)  التي يقصد بها الحرية في استخدام الرمز والصورة لغويًا أكثر من علم النفس. ومن خلال ذلك يمكننا فهم مدى استجابة الفنان أو الأديب أو الشاعر لها وطريقتهِ في التعبير والاستجابة فعندما نستعرض معظم قصائد المجموعة، إن لم يكن كلَّها، فإنّنا بتحليلِنا نماذجَ منها نستطيع أن ننظِّم وبعمق الاستجابة الجمالية (aesthetic response) للعمل الفني الشعري الذي بين أيدينا. فإذا نظرنا مثلاً لقصيدة "ويقولُ لي" (ص 19). نلتقي باستعارات المجاز اللغوي الواضحة مثل: "أنفاس السماء"، "وهديل الورد"، "حضورِكِ اللوزي" ، "الصحو الشريد" وغير ذلك حيث أنَّ اللفظة في هذه الاستعارات المجازية تصير جزءًا مهمًا من البناء الجمالي للتجربة الأدبية. وهنا نلمس أنماطًا معنوية بلغة انفعالية رمزية. فروح الشاعرة وما يعتملُ في ذاتِها من انفعالات وأحاسيس ورؤية وثقافة ووجدان ومشاعر وأفكار ومواقف، كلُّها أمورٌ مهمة في خلق الصورة الشعرية التي تخلق بدورها الاستجابة الجمالية أو الاجتماعية أو النفسية أو الأخلاقية أو المتعة الأسطورية حين يصيرُ القديم "كعشتار" في القصيدة رمزًا معاصرًا وتاريخًا منظورًا بعيدًا عن الأوهام والاستغراق في التراثية المحضة.

وحين نستمر في سبرغور المجازات والاستعارات الشعرية في اطار الانزياح الشعري، يصادفنا المجاز المتمثل في العبارات والجمل كاستعارات ذات مضمون تتعدد فيه الألفاظ كقول شاعرتنا في قصيدة "مضى لحياة الغياب" (ص 25):

كأني أُخبّيءُ بين السطور دموعي

لتخلعَ عن قدميها رمادُ المرايا

مراياي صوتٌ بحلكتها النازفة

كأني أُخبيءُ بين الفصولِ شموعي

ليغرقَ في مقلتيها أنينُ الحكايا

ومع أنَّ الظاهر هنا استخدام الشاعرة للجمل الاستعارية (metaphoric sentences) فإننا إذا لجأنا الى جزئيات هذه الجمل، يتضح لنا بروز العبارات الاستعارية فيها مثل:

"الحكمة النازفة"، "رماد المرايا" ، "أنين الحكايا". وفي هذا السياق، فإنَّ النسيجَ الأدبي لمثل هذه النصوص الشعرية هو جزءٌ من خبرة القارئ في التحليل والتأثر الجمالي والانفعالي، والإحساس بالقيمة الفنية للألفاظ التي تقودُهُ الى فهم المعاني المتوخاة وفقًا لإدراكهِ الانساني والاجتماعي.

وبهذه الطريقة تكون الشاعرة قد أرست في نفس القارئ أو المتلقي أسس التوافق أو الانسجام بين الذهن الشعري والذهن الفلسفي مع حتمية وجود الاختلاف في النظرة الى الكون والحياة.

ولا يخفى علينا أنَّ شاعرتنا تميلُ في العديد من قصائدِها الى السريالية المدعّمة بالمجاز والاستعارات، فهي تدأبُ أن تتعاملَ مع التراكيب والقيم والمفاهيم التي يبدو بعضُها واضحًا وبعضُها غامضًا مطَلْسَمًا في موضوعاتٍ شتى تستمدُّها الشاعرة من بيئتها وتأملاتها الخاصة فهي الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يصوغَ ويصوّرَ مجموعةً من الأفكار من خلال مشاعرِهِ وأحاسيسهِ وانفعالاتِه المرتبطة بتلك الأفكار مهما تنّوعت، وخيرُ مثالٍ على ذلك قصيدة "الأشياء هنا" (ص 29) حين تقول:

الأشياءُ هنا تجلسُ كالمرآةِ معي

تنشغلُ الآنَ بخدشِ سكونٍ ناحل

زاجلةً بدموعِ القهوةِ

عابقةً بشرودِ كتابي

وارفةً كخطى وجهِكَ في هالاتِ غيابي

ونرى في هذه السطور من القصيدة مدى استخدام المجاز اللغوي الشعري وكأننّا أمام لوحة سريالية رُسِمَت بريشةِ فنّانٍ يحلّق في أجواءٍ تصويرية من الألوان تنزع الى التجريد (abstraction) فالفكرة التي خرجت من وجدان الشاعرة الخاص إنما جاءت لتعانق وجدانَ القارئ على شكل قصيدةِ سريالية توحي كلماتُها بمعانٍ متفاوتةِ وفقًا لأذواق وأفهام القرّاء، وهذا نابعٌ من الغموض الكامن في التجريد وعدم المُباشرة في عرض المعاني.

إنَّ تطوّر الفكرة الأدبيّة في العمل الأدبي أو الشعري لا يتأتّى إلا ن طريق التأمل العميق والانغماس الشديد في أعماق روح التجربة المراد تصويرها أو التعبير عنها بلغة شعرية أو أدبية عالية. فكثير من الشعراء كشاعرتنا يهتمون بلغة الشعر الرمزية أو الانفعالية غير المباشرة كقول شاعرتنا في قصيدة "صخبُ القهوة" (ص 33):

صَخَبُ القهوةِ يلهو في فنجانِ الكلمات

ويصيبُّ الأخبارَ واحداثَ الساعة

في هالِ اللحظات

وعلى الطاولة الأخرى

صحفٌ وقصاصات

يقرأها ذاكَ العبرُ في صمتي

ومن المهم الاشارة هنا أنَّ اللفظة في اللغة الشعرية أو الأدبية لا تستطيعُ امتلاكَ أيةِ دلالةٍ معنويةٍ وحدَها الاّ عن طريق الاستعمال مع غيرها من الألفاظ من خلال علاقة وثيقة بينهما، كما ظهر لنا في النصوص الشعرية الواردة آنفًا من المجموعة الشعرية التي نحن بصددها.

يبدو أن اللغة والفن التصويري عند شاعرتنا عبارة عن وحدة متماسكة من الصعب تجزئتها، ولكنها حينما تتحلّل الى حالتيها النفسية والمزاجية التي يمثلهُما الابداع الروحي أو الخلق الفني، تظهر الصورة التي حققت تمثيلها النقي وخاصةً وظيفتها الجمالية في عددٍ من القصائد التي نختار منها قصيدة "لمّا غِبْتَ" (ص 72):

لمّا غِبْتَ

تماهى قمري

في ليلٍ مبحوحٍ شاكِ

حتى أنَّ دماءً سالت

في عطشِ الماءِ مطرّزةً بالغربةِ والأشواكِ

أتراها تشعلُ غربتَهُ الصَماءَ حنينًا

أَتُرَاني أُلقي جرحَ اللهفةِ في حُبِّ الشغف الباكي؟

اتُراني دونكَ

دونَ القمر المصلوبِ على شبّاكي

باقَةَ أشواقٍ نائحةٍ في فوضى الأفلاكِ؟

وخلاصة القول أن عملية الخلق الفني عند شاعرتنا فاتن مصاروة، مظهرٌ لبعدٍ واحد هو فن استخدام المجاز اللغوي والاستعارات التي صارت مرادفًا للجمال وبالتحديد بالاتيان بالصور الفنيّة الموحية رمزيًا، والتي تضم بين ثناياها أشياء جميلةً، وعواطفَ نبيلةً ومواقفَ شفافّةً تتضمنُ البعد الجمالي في صورها وأشكالِها حيثُ تولدُ الخصوصيةُ الجماليةُ التي تنفردُ بها تحربةُ الشاعرةِ الحياتية فلشاعرتنا المحترمة أجمل التهاني، وأطيب التمنيّات بدوام التوفيق وبالمزيد من الابداع والعطاء.

تشرين الثاني 2017

 

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق