ما بعد الأديان بقلم : كميل فياض
27/03/2017 - 03:42:54 pm

ما بعد الأديان :

  دار صباح هذا اليوم حديث مع احدا السيدات الأجنبيات المؤمنات في نطاق العمل ،حول المسيحية واليهودية والاسلام ، وعموماً حول فهم الأديان والوجود والله الخ .. رأيت تسجيل خلاصته هنا في كلمات لما فيه من اهمية.. ورغم التزام تلك السيدة المحترمة عقائديًا هي منفتحة تصغي وتناقش باحترام اقدس المسائل الدينية دون تعصب ، مما شجعني لمحاولة فتح افق جديد لها من التفكير باتجاه مختلف .. هي تأخذ بالفهم التقليدي المسيحي بأن الانسان خاطئ بحكم ولادته جسداً من لحم ودم ، وفقط يسوع الرب يستطيع تخليصه لبر الأمان .. لكن عندما طرحت عليها بعض أسئلة حول وجود الله ومنطقية ولا منطقية علاقته بالعالم، وقفت حائرة ثم قالت : فعلاً هناك ثغرات لا اجابات قاطعة حاسمة عليها .. وكنت قد ذكرتُ لها منها مثلاً : ان كيف يكون الرب محبة ورحمة ثم يعاقب في جحيم ابدي ، وكيف يرى الحروب والمجاعات والكوارث ولا يتدخل ، بل كيف يكون هو مصمم هذا العالم على نحو ما هو عليه كسلسلة غذائية ، القوي يأكل فيها الضعيف، ثم هو نفسه ينهي عن القتل وسفك الدم ..!

كيف وبأي منطق يكون الله عادلاً عندما يعاقب الجنس البشري عبر تاريخه على جرم اقترفاه أبواه آدم وحواء ..! هناك تناقضات كثيرة في الأديان السماوية عموماً ، لم تستطع التأويلات والتفسيرات تغطيتها بصورة مقنعة للعقل السوي .. وقد اقرت (صديقتنا) بها وبررت بعض ذلك بتأويلات تبنتها الكنيسة وبعض التيارات المتجددة ..

والإشكال يتمثل من وجهة نظري في ان الطبيعة توجب صانع لها، فليس وجودها من لا شيء او بمجرد مصادفة او نتيجة تطور بالتكيف في العماء ، ومن الواضح اذا ارجعنا كل ما يحدث في العالم الى خلق وتصميم وتقدير الهي، عمليًا يكون الخالق مسؤولاً عن كل ما يجري فيه ،بالتالي يكون عقابه ظلماً منافيًا لعدله، وما يحدث فيه لا يتفق وعنايته .. وهنا نصل الى ضرورة وضع معادلة بين وجود الهي بريء خلف العالم من حيث رفض العقل قبول منطق المصادفة في ايجاد العالم ، وفي الآن رفض منطق الأديان لكثرة ثغراتها وتناقضاتها .. فالله الحقيقي يختلف عما يتصوره العقل العادي والاعتقادي ، فهو ليس ذا شخصية تعقل وتفكر وترغب وتريد وتعلم بما تحتها، انما هو فوق الزمان والمكان ولا صلة واعية له بما دونه ، كشلال يتدفق ويدير التوربينات أسفل دون ارادة مسبقة ، هو ذكاء وقوة ونبالة فوق الوصف وفوق التحديد ، وبمجرد وجوده يأتي ما يأتي عفواً ،ومن ذلك الأديان وآلهتها المختلفة الموحدة في فكرة اله واحد في النهاية .. وما في الكائنات من عقل نسبي من ابسطها حتى اعقدها ، هو اختزال وتحول لطاقة الله فيها بحسب قبولها واحتمالها ، كعلاقة الشمس بالبطاريات والمصابيح وما الى لك ..فهو مكنة مطلقة فعالة بذاتها من ذاتها وتنطوي على كل ما في العالم وما يتعداه في اللانهائي ..  لقد توسعت في هذا التصور في امكنة مختلفة ولا اريد هنا التبسط والتفصيل .. لكن اقول هنا رغم ان هذا التصور لن يقنع المؤمنين بالإله الشخصي (الرتيسونالي) وسوف يصدمهم في كل ما بنوا عليه من امنيات وصلوات ودعوات ورجاء واحلام ونعيم مقيم ..الا ان لهذا التصور ايجابيات منها : عودة الانسان الى ذاته واتكاله  على نفسه وجعله مسؤولاً كاملاً عن كل ما يصدر عنه ، وبهذا يفجر طاقاته وابداعاته لإيجاد جنته بنفسه ، يدفعه باتجاه الكشف المباشر عن الحقيقة ،وفي ذلك اعلاء لقيمته وشرف كبير لا يملك له التقدير الكافي وهو في احضان التفكير الغيبي ، ومسألة التيقظ على ذلك هي مسألة وقت ونضوج في التفكير والاستنتاج والتبصر .. ومن حسنات هذا التصور ان عقل الانسان يتحرر من الخوف الغيبي المجهول، فلا يوجد إله قابع في السماء متسلط عليه قاهر له بصورة أبدية ، فيستبدل الايمان  بالعرفان ، والوازع الديني بالضمير الانساني ، والروحانية العمياء بنورانية عصماء ، والشرائع السماوية الجامدة ، بالقوانين الوضعية المتطورة ، والطقوس بالفنون .. و.. الخ الخ ..

 

كميل فياض

 

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2024 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق