أوباما- ولعبة السيكا-سيكا بقلم: المحامي جريس بولس - كفرياسيف.
2013-09-24 13:19:04
لعبة السيكا سيكا هي لعبة كنا نلعبها صغاراً، حيث يقف شخص في الوسط محاط بأربعة أشخاص على الزوايا، ثم يحاول الموجود في الوسط الوقوف في إحدى الزوايا، بعد انتقال واحد هناك من زاوية لأخرى بعد ان يقول سيكا-سيكا وممكن ان الموجود في الوسط يبقى محاصراً في الوسط لا يستطيع الوصول الى الزاوية اذا لم يقم باحتلالها في الوقت المناسب، وأوباما في قضية التهديد في توجيه ضربة لسوريا ذكرني بهذه اللعبة وكأنه يقف في الوسط لا يدري ماذا يعمل.

دستور الولايات المتحدة الامريكية يعطي الكونغرس، لا الرئيس، نفوذ إعلان الحرب بشكل نهائيّ أو ابرام اتفاقية سلام، لكن للرئيس توجد صلاحيات يستطيع بموجبها ان يستعمل القوة في حالات محصورة، مثل حالات الطوارىء، او المحافظة على مصالح امريكا الدوليّة، وهذه الصلاحيات أدَّت الى تأزيم العلاقات بين الرئيس والكونغرس، لذا قام رؤساء عدة في الولايات المتّحدة بتوسيع صلاحياتهم بمعزل عن الكونغرس مثلاً: قام الرئيس ترومان بدخول الحرب الكوريّة في سنوات الخمسين دون الرجوع الى الكونغرس بحجة انه رئيس لدولة عضو في مجلس الأمن ولذا فهو يحترم قرار الامم المتحدة التي دعت الى تدخل دوليّ لمؤازرة كوريا الجنوبيَّة.

وقام الرئيس كلينتون بولوج حرب كوسوفو دون الرجوع للكونغرس بحجة معاهدة حلف الناتو التي تلزمه.

وكذلك قام الرئيس بوش الاب بدخول حرب العراق بحجة قرارات الامم المتحدة التي تلزمه، ولكنه توجه للكونغرس بشكل صوريّ، فقام الكونغرس بالموافقة على ذلك، لكن من دون ان يتنازل عن صلاحيته الموسعة والتي تمكنه من خوض غمار الحروب دون الرجوع للكونغرس.

وفي عام 2011 حين قام الناتو بقصف ليبيا لم يتوجه أوباما الى الكونغرس بطلب موافقته، عندها قام نواب من الحزب الجمهوري ومن حزب الرئيس الديموقراطي بانتقاد أوباما على هذه الفعلة.


اذاً السؤال الذي يسأل: ما الذي دفع أوباما للجوء للكونغرس لاخذ موافقته بشأن توجيه الضربة العسكرية لسوريا( ونحن نسميه العدوان على سوريا)؟

الجواب على هذا السؤال يزداد اهميَّة بسبب العلاقة السيئة بين أوباما والكونغرس الذي يسيطر عليه الان الجمهوريون باغلبية صغيرة كما ان أوباما واجه مشاكل مع نواب ايضاً من الحزب الديموقراطي، حزبه وقد عمل الكونغرس على افشال أوباما في تشريع قوانين تصب في برنامجه السياسي في عدة مجالات مما دفع بالرئيس ان يقوم باصدار أوامر لتمرير مشاريعه بما يتماهى مع برنامجه السياسي من فوق الكونغرس.

وقد قام 180 نائباً ديموقراطياً وجمهورياً بالتوقيع على عريضة طولب أوباما حسبها الرجوع للكونغرس بشأن توجيه ضربة لسوريا، وهو ما رضخ اليه أوباما وهو مقتنع انه غير مضطر لعمل هذا دستورياً. لماذا؟

لانه لا توجد موافقة لمجلس الأمْن وللامم المتحدة لتوجيه ضربة لسوريا، ولا موافقة من دول الناتو، ولا يوجد تهديد مباشر لأمْن الولايات المتحدة، كما وانه يوجد تذمر في صفوف الجيش الامريكي من خوض الحرب من بعد التجربتين الفاشلتين في افغانستان والعراق، فلا يريد الجيش القيام بمغامرة اخرى.

بالاضافة لذلك ليس هناك تأييد من اوروبا وامريكا الشمالية، فبريطانيا، أهم حليف استعماري للولايات المتحدة، رفضت شن العدوان بعد قرار برلمانها، وكذلك فعلت المانيا وغيرها، كما وان سوريا لم تعتدِ على امريكا، وسيناريو"اسلحة الدمار الشامل"، الحجة الامريكية للاعتداء على الامَّة، بات مفضوحاً ومملاً بعد احتلال العراق، والرأي العام العالمي لم يصدق حدوثة تلفيق استعمال الكيماوي للنظام في الغوطة.

اضف الى ذلك ان هناك معارضة شعبية عربية للعدوان على سوريا والوضع ليس كما كان ايام العدوان على ليبيا.

وقد يقول قائل: ان الشيء ألأخير الذي تفكر به امريكا او تعره انتباهاً هو الرأي العام العربي، لهذا نجيب: ان امريكا بدأت في العام 2001 ببرنامج دبلوماسي اسمه "الصداقة الشرق اوسطية" لسرقة العقول والافئدة العربية، لكي تلقى دعماً عربياً لسياساتها الكولونياليَّة، والامر المفروغ ان يقوم الشعب العربي بالانصياع لامريكا ولحلفائها، مما يوفر على امريكا سياسياً وعسكريَّاً وماليَّاً.

بالاضافة لذلك، روسيا - بوتين والصين تقفان كشوكة في حلق الامريكان، وثمة قوى اقليمية لا يستهان بها كإيران، وهناك دولة عربية كبرى تتصدى للعدوان على سوريا ولا توافق عليه وهي مصر التي بعد زوال مرسي، العميل الامريكي بامتياز، اعادت الوجه الوطني ولا سيما في موقفها من سوريا وكذلك الجزائر، وهناك احتمال من ازدياد حدة الغضب العربي المحقون وغضب الشعب السوري وحزب الله والحلفاء لسوريا، ولولا فئران الناتو من حكام الخليج والبترودولار الذي يسعون لتدمير سوريا ويحثون أوباما ليل نهار على المضي في المشروع الاسود "العدوان على سوريا" ومعهم اردوغان الاخونجي الذي انكشفت عورته، لقلنا ان لا ظهر لأوباما أو تأييد له بالعدوان على سوريا.

لذلك، لم يستطع أوباما القيام بتوجيه ضربة لسوريا محدودة على حد قوله بدون اجنحة الكونغرس، فهذا بالنسبة له اضعف الايمان.

ولكن أوباما يعلم ان الذهاب للكونغرس هو كلعبة البوكر دون اي ضمان لأي نتيجة، فاما ان يقرر الكونغرس تسديد ضربة غير محدودة على غرار ما جرى في ليبيا والعراق او يقوم بتحمل مسؤلية التراجع عن العدوان على سوريا.

وفي خضم هذه الاحداث قام بوتين الزعيم الروسي، وبعد ان ورَّط اللوبي الصهيوني أوباما بشأن العدوان على سوريا،بانقاذ أوباما واعطاه الفرصة كي ينزل عن الشجرة العالية التي تربع عليها عن طريق مبادرة روسية مفادها: "وضع السلاح الكيماوي السوري تحت الرقابة الدولية وصولاً للتخلص منه شرط الا تقوم الولايات المتحدة بتسديد ضربة عسكرية لسوريا أو بشن عدوان على سوريا".

المبادرة الروسية الذكية ادت الى اختلال توازن اعداء الامَّة، فقد تأجل التصويت على السماح في العدوان في مجلسي النواب والشيوخ الامريكيين، وسط لطم وندب اللوبي الصهيوني وحكام البترودولار عملاء امريكا وفرق العصابات المسلحة (فئران الناتو) التي تعيث فساداً في سوريا. وفي الوضع الاني: (1) نحن امام تراجع امريكي عن العدوان. (2) مقابل تدمير السلاح الكيماوي السوري، مع تراجع امكانية العدوان على سوريا دون انتهاءه كلياً.

واصبح واضحاً ان محاولة فرنسا بتحويل المبادرة الروسية في مجلس الامن الى قرار دولي ملزم ضد سوريا، بموجب البند السابع، يتيح التفتيش غير المشروط واستعمال القوة قد فشلت قبل ان تبدأ. اي ان الامور اليوم تختلف عن الامور عام 1991 أو 2003 بمعنى ان القرار الدولي لن يكون قراراً امريكياً محضاً كما كان في السابق.

في العام 1991 ترك الروس العراق تحت دوس امريكا دون حسيب أو رقيب وكذلك في ليبيا ولكن اليوم الروس يقفون في المرصاد في المسألة السورية.

اذا هناك اعادة للحرب الباردة والرجوع الى تعدد الاقطاب.

هدف المبادرة الروسية هو اذن الذود على الدولة السورية وعلى الجيش السوري والشعب السوري ولو بدون سلاح كيماوي، وهذا بالطبع افضل من تحولها الى مقاومة في سوريا تقبع تحت الاحتلال كما جرى في العراق.

ويجب ان نركز بان السلاح الكيماوي السوري لن يضحى به دون مقابل، بل صرح بوتين بان المبادرة الروسية لن تبدأ قبل ان تتراجع امريكا عن توجيه العدوان على سوريا، لذا الامر لا يحسب استسلاماً كحال الدول المهزومة، وما دامت القيادة السورية متماسكة والجيش متلاحماً وارادة الشعب صامدة فان السلاح الكيماوي يمكن ان تخسره سوريا وان تستعيده وهذا لا يعني الهزيمة النكراء ونحن نعي بان التنازل عن السلاح الاستراتيجي يزيد من احتمال الاعتداء على سوريا في المستقبل، ولكننا على ثقة بان القيادة السورية تحسب هذا الحساب ولن ترضى باي حل ضد سيادة سوريا الوطنية وثوابتها ألمعروفة وستبقى سوريا قلب العروبة النابض، قلعة المقاومة والممانعة شاء من شاء وأبى من أبى.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق