دولة الشعب الإسرائيليّ! بقلم راضي كريني
2013-08-28 14:02:10
يعتقد اليمين الإسرائيليّ أنّ بإمكان إسرائيل "العظمى" القويّة عسكريّا واقتصاديّا وبمؤازرة الإدارة الأمريكيّة وبريطانيا وفرنسا و...، أن تقضي على حقّ تقرير المصير القوميّ للشعب الفلسطينيّ، من خلال تحسين الوضع الاقتصاديّ للفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة (الجزرة)، وبالتلويح بالبندقيّة الموجّهة إلى صدورهم (العصا)، إن لم تنفع الجزرة.

يدخل هذا اليمين المفاوضات مع الفلسطينيّين كالمعلّم الجاهل للتربية وللبيئة المحيطة به، الذي يدخل على تلاميذه في الصفّ الدراسيّ حاملا بيديه: عصا قصيرة، وعصا طويلة، وصولجانًا وكرة، وطبلاً وبوقًا... ويقول في نفسه إذا شاغب أحد التلاميذ الصغار أضربه بالعصا الصغيرة؛ فيتراجع للخلف فأضربه بالعصا الطويلة، فيفرّ من بين يديّ؛ فأضع الكرة في الصولجان وأرميه بها فأشجّ رأسه؛ وإذا احتجّ بعض التلاميذ وقاموا إليّ ليدافعوا عن زميلهم؛ فأضرب الطبل وأنفخ البوق فيسمع أهل الدرب ( من الأمريكان والبريطانيّين والفرنسيّين و... المتنوّرين ) فيسارعون إليّ ويخلصونني منهم!!

تتهرّب القيادة الإسرائيليّة من البحث والخوض في مبدأ حق ّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره، وتطرح، بين الفينة والأخرى، إمكانيّة قبولها بحكم ذاتيّ مقلّص، تحت سقف دولة إسرائيل الكبرى، لإثارة البلبلة والشغب وصرف الأنظار وربّما الفتنة.

توخّى الساسة الإسرائيليّون من الفلسطينيّين، في حروبهم: في 1948، وفي 1956 وفي 1967 ، ومهّدوا لهم الطريق، أن ينزحوا بجموعهم إلى الدول العربيّة، مهزومين مأزومين محطّمين بلا عمود فقريّ سياسيّ، وبلا رجاء وأمل بالعودة ... وما زالت أفكار الترحيل القسريّ معشّشة في رؤوس القيادات الحاكمة في إسرائيل، لذلك نراهم يقرعون طبول الحرب وينفخون أبواق الرحيل والتبادل السكانيّ!

يحاول بنيامين نتنياهو/بيبي أن ينتزع، من خلال المفاوضات، من الطرف الفلسطينيّ حقّه في تقرير المصير، واعترافه بحقّ الشعب اليهوديّ لوحده في دولة قوميّة خاصة به!

حقّ تقرير المصير غير مرتبط بنسبة الأقليّة من الأكثريّة، وهو حقّ لا يمكن لشعب أن ينتزعه من شعب آخر، أو أن يفرضه عليه؛ فإن عجزت القيادة الصهيونيّة عن فرضه على بعض الدول الأوروبيّة وتحقيقه في أوروبا، قبل الحرب العالميّة الثانية؛ فهو لم يتحقّق في فلسطين نتيجة لمطالب ولنضالات عادلة؛ بل تحقّق بفضل مؤامرة الثالوث الدنس والتواطؤ الدوليّ المخزيّ!

ليعلم المنكبّون على دراسة قانون تعريف دولة إسرائيل، أنّ في إسرائيل شعبين، أي مجموعتان قوميّتان-عربيّة ويهوديّة، والمجموعة العربيّة متمسّكة ببيتها وأرضها ولن ترحل عنهما، مهما ساءت الأحوال، واشتدّت الأهوال، وعظمت فظائع وجرائم الحروب، هذا وطننا ونحن أل-هنا ولسنا أل-هناك!

فاعتراف الهيئات الدوليّة بحقّ الشعب الفلسطينيّ بتقرير مصيره، لا ينهي حقّ إسرائيل في الوجود والتطوّر، كما يشيّع اليمين الإسرائيليّ، لكن، أيّ تسوية سياسيّة للنزاع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح وحقوق الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة والأصليّة في إسرائيل، تلغي حقّ الأكثريّة اليهوديّة بتقرير المصير، أي أنّها تعمل على نقل الصراع القوميّ إلى داخل حدود المجتمع الإسرائيليّ الواحد، المركّب من مجتمعَين.
مصالح وحقوق الأقليّة العربيّة الوطنيّة الفلسطينيّة هي جزء لا يتجزّأ من تعريف دولة إسرائيل، ولا يتعارض مع حقّ تقرير المصير القوميّ للشعب اليهوديّ.
تعريف الدولة على أنّها "دولة يهوديّة" هو تعريف استعماريّ ومعناه المزيد من القمع والاضطهاد القوميّ للأقليّة العربيّة، وبالتالي سيعمّق الخلاف ويثبّت التناقض وينمّيه بين شعبي ودولتي.

القيادة الصهيونيّة لا تحتاج إلى عصي وطبول وأبواق؛ بل تحتاج لعقلاء يعرّفون الدولة بأنّها "دولة ديمقراطيّة" ثنائيّة القوميّة، ذات أكثريّة يهوديّة وأقليّة عربيّة.

هكذا يمكن بناء جسور التفاهم بين شعبَي البلاد، والبدء ببناء دولة الشعب الإسرائيليّ!
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق