لو كنّا نحب بعضنا..كما نحب الطعام !! بقلم : شريف صعب – أبوسنان
2013-06-01 21:20:53

فرحت كثيراً عندما طرق باب بيتي أحد الشباب اليافعين ثم ناولني دعوة عزيمةٍ لعرس أحد شباب القرية ... وفي نفس الوقت " زعلتُ " .
تناولت الدعوة وقلت له : " عقبال عندك ، إبن من تكون ، يا بطل ؟" فأجابني : " إبن عبد مناف " .  " رحمة الله على والدك !" أجبتهُ . غادر الشاب الدار ليتم مهمته الشاقة .
وزعلت ، لأنني فكرت كيف سأعود لأشاهد أجواءً لا أحبها ، خصوصاً لأننا قُبيل موعد الانتخابات البلدية .
قلت في نفسي : " ما أجمل أن تُزوّج العائلة أبنها وتفرح به ... نذهب ونشاهد الناس !" وعلى الفور سألتْ زوجتي : " لمين العُرس !؟ " فقلت لها : " لابن الزير سالم ، رحمه الله !"
" كانوا عنّا ، شوف الدفتر !" قالت .
  "بلا دفتر ، بلا بطيخ ، شاب من أحلى شباب البلد ويتيم راح يتجوّز ، محترمينا وداعينا على أكل ، بنروح وبنتفرج وبنوكل ...! في مركاز همزون بِنْتِكّ ألف شيكل بدون تفكير...  وهون بسْ بيجي مكتوب عزيمة بدور النقّ .... بلا ميت شيكل !! "
" بتغيرّش عادتك "، نقّت المدام وراحت تبربر لوحدها دون ان أهتم لذلك !
وكالعادة ، سافرت يوم العرس إلى قاعة الأفراح وشاهدت، بألم، كيف تشتّتت سيارات المدعوين في مواقف دون أي نظام أو ترتيب أو تفكير بما سيحصل للشارع الضيق الذي يصل إلى القرية ، بمحاذاة موقع العُرس . لقد أوقفها أصحابها في كل مكان مناسب أو غير مناسب على جانبي الشارع .... مع أنه توجد ساحة واسعة مُخصّصة لإيقافها . كان كل واحد منهم يريد أن يكون الأول في تركِ المكان ولم يعمل أي حساب للأختناق الذي سيحصل . إن تشتّت السيارات كان طبق الأصل كتشتت عقلية وأفكار أصحابها ... دون استقامة في الرؤية !
دخلت باحة الفرح وكالعادة : أهل البلد يتربّعون على المقاعد ... في الصفوف الأمامية ... لا شيء يزحزحهم من أماكنهم ولا يهمهم إن وجد الضيوف الغرباء الذين يصيبهم الإحباط عندما يريدون الجلوس ، ان وجدوا مقعداً أو لم يجدوا... فمن جلس منّا على كرسيّه ، لا يزحزحه عنه إلا الله تعالى !! الأهم من ذلك ، أنّنا في خضّم فترة " العرس الديمقراطي " ؛ والانتخابات على الأبواب .  وبعد أن  جلست في مكان ما مقابل جمهور الجالسين رحت أتأمل الحاضرين وشعرت على الفور أن الجوّ مُكهربٌ إلى حدٍّ بعيد ، لقد عاد التزمّت والنظرات الغريبة إلى بعضنا البعض ، وها هي النوايا تطفو على وجوه أصحابها ، لقد كان تحفظ الناس من بعضها البعض هو صاحب الموقف وعلا صوت الوشوشات وكانت النظراتُ  نظراتُ إرتياب وشكوك. وشعرتُ أن  بعض الغيوم من النوايا السيئة تغطي الجوّ الأحتفالي في هذا العرس لذلك الشاب اليتيم .
عدت وقلت في نفسي : حقاً الجوَّ مكهربٌ ووجوه المدعوين كانت قد أكتست إما باللون الأحمر القاني وإما باللون الأصفر الباهت : فهذا حاقِدٌ ... وذاك خائِف والجميع يعانون من الأحقاد والمحاسبة فقد كان جميع المرشحين لرئاسة العرش مشاركين في هذه  المناسبة.
فهذا يحيي ذاك وذاك يحيي آخر والردود تتلاءم مع تقربك أو ابتعادك من فلان وعلان . وإذا قلت مرحباً لأحدهم وصافحته .... "يبحرك" الآخر بنظرة مؤنبة ... ثم يضمّك لقائمة الخونة ... والعكس بالعكس ... وإذا ابتسمت لثالث وحييّته ، رآك من حولك وصنفوك ، وإذا لم تقل لأحدهم ، سهواً ، مرحباً ، يسجّلك في دفتره في المكان الذي يروق له ذلك ... !!!
هكذا كان الوضع في ذلك العرس ، وسوف لا يختلف عنه في باقي الأعراس القادمة وقد وجدت نفسي أقول : " رحمك الله يا إبن غوريون ، والله كنت عالماً نفسانياً !" .
انّه ليس جوّ من الفرح وإنما جوّ من الصراع والغليان ، فنجّنا، الله، من نتائج ما ينطبخُ في العقولِ ... وفي البطونِ، فليسَ ذلك ما ينادي به الله ولا ملائكته المكرمون !
إستمرّ جوّ النظرات المتوجّسة والنفير والوشوشة مُدة من الزمن مرّ خلالها أحد اصدقائي إلى جانبي فمال عليَّ وقال : " إنك علقان مع سرحان وفهمان !" فأجبته قائلاً : " لا يهمني شيء في الدنيا ، ما دامت علْقتي ليست مع ربّ العالمين !"
فجأة حان وقت الطعام ، فوقف " العّزام " وصاح في مكبّر الصوت الذي في حنجرته :" الضيوف الكرام ، باسم  أهل العرس والحاضرين إلى جانب العريس ، ندعوكم لتناول الطعام ... ونرجو المجابرة ، تفضّلوا !! وما ان أنهى كلامه حتى هب الحاضرون ، وكأنك نشلتهم من بئر عميقة ، مُتدافعين مُتدافشين ... واختلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح متجهين نحو طاولات الطعام ، مُتناسين ما مرّ عليهم قبل دقيقتين من نظرات وصراعات ووشوشات صامتة – صارخة... في القلوب. خلال دقائق امتلأت الطاولات بالرجال وللأسف دون اعطاء الاحترام اللائق للغرباء . بدأت قرقعة الصحون والملاعق والشوك ، ثم راحت " شخاتير " الطعام تفقد زينتها ورونقها بسرعة البرق ... وعلى موائد الطعام تغيرت ألوان الوجوه وأصبحت كلها بلونٍ واحدٍ...يبتسمُ للطعام. جلس الفرقاء مع بعضهم ، وعلى نفس الطاولة. كانت الابتسامات " مُحِبَّةً " عريضةً ، وضاعت معها الانتماءات المذهبية والسياسية والفئوية . كان الجميع يأكلون بلهفةٍ وأُفرغت زجاجات المشروبات والمياه . ملأ الناس بطونهم وكأنهم ليسوا هم الذين جلسوا قبل قليل خارج القاعة !
كانت الشهية قوية  ... ما عدا عندَ "المنقرفين" منهم . بعد ذلك هوجمت طاولة "المحلّيات" هجوماً عنيفاً افقدها هيبتها وحُسن ترتيبها ؛ تغيّر الجوّ بعد ملئ البطون وراقت سرائر المدعوين وهدأت النفوس .
قلت في نفسي :" والله لو كنّا نحبّ بعضنا كما نحبّ الطعام ، لكنّا من أفضل الشعوب الراقية !"
والسؤال الذي يُطرح هو : لماذا لا ... ! لماذا لا نحب بعضنا في قلوبنا ولماذا لا نتحاور بأساليب راقية حضاريّة !؟ لماذا لا نبتسم لبعضنا بعضاً بصدق ... كما فعلنا ذلك للطعام وكما تعوّد أجدادنا؟ لماذا لا نفكر بما قاله ربِّ العالمين عندما دعانا إلى حب بعضنا بعضاً ؟! .
إننا لسنا بحاجة إلى ملأ البطون، بل بحاجة إلى ملئ نفوسنا وعقولنا بالمحبة والأخلاص والتسامح والتقرّب من بعض والوقوف إلى جانب بعض بالسرّاء والضرّاء ... دون حسابات تافهة بل بنظرة حضارية فكلّنا أبناء بلد واحد أقرباء وجيران وأصدقاء !! .
عندما طلب زعيم احد العشائر من ضيوفه ، وعلى رأسهم سلطان العرب ، أن يأكلوا كثيراً قال : "  كلْ يا باشا ، أهلاً وسهلاً ، الأكل على قدر المحبة !" فأجابه الباشا " لو كان الأكل على قدر المحبّة ؛ لأكل الرجل زوجته !" فضحك الحاضرون وراحت مقولته هذه مثلاً يُضرب به .
إذاً ، تعالوا نحب بعضنا كنصف حبّنا للطعام الذي يملأ ، والحمد لِله ، بيوتنا وبرّاداتنا فلسنا إلا عشيرة واحدة وشعب واحد وقد آن الآوان  لذلك ، بعد ان قطعت البشرية شوطاً طويلاً من التطور والرقيّ ، وكما قال الرسول الكريم  صلعم : لا فرق بين إنسان وإنسان إلاّ بالتقوى وبالأعمال الصالحة وبالنوايا الحسنة ، وفّقكم الله تعالى .        

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق