حين تكون ثقافة الاستبداد طريقة لمواجهة الاضطهاد! بقلم: مرزوق الحلبي
2012-03-02 16:17:24

لم يعد الشأن السوري سوريا، ولم يكن كذلك منذ تفجّر الثورة هناك ضد النظام. وأظنه كان، في مستوى الموقف منه، اختبارا للإنسان الإنسان وللمشتغلين بالشأن العام في كل مكان لا سيما لنا هنا وللقيادات منّا بشكل خاص. ولا نتجنى على أحد ممن نقصدهم إذا قلنا أنهم أخفقوا في هذا الاختبار أيما إخفاق. وهو ليس الإخفاق الوحيد الذي يُسجّل لهم في مثل هذه الحالات. فهي القيادات ذاتها التي أخفقت في مهرجان زيارة خيمة القذافي، وفي الحجيج إلى الشام. وهي القيادات ذاتها التي تنتظر الفرج العربي القومي أو الديني أو سواهما تتحرك تحت سقوف من الوصاية الخارجية أو تقبع في الظلّ المزدوج للنخب الإسرائيلية والفلسطينية. وهي القيادة ذاتها التي تمارس عملها في الحيز العام على أساس بكائية لا تتغيّر ولا تتحول مفادها: "ما أحلاه أننا ضحية، وما أريحه من وضع يمارس فيه المجتمع اليهودي كل أنواع القهر بحقنا!".
هذه القيادات التي لا تنفكّ تُبدع أدبيات الضحية لم تجد متسعا من وقت لتفكّر بغيرها! أو أنها، من فرط مسؤوليتها، لا تزال منعقدة ملتئمة تعكف على دراسة الحالة السورية متفقة ألا تنبسّ ببنت شفة قبل أن تتوصل إلى موقف من شأنه أن يوضع حدا للمأساة! هذا الصمت عن الإتيان بموقف علني واضح قابل للتفسير في اتجاهات عدة. فقد تكون القيادة أجبن من أن تتخذ موقفا ـ ولا نعني بوستا في الفيس بوك أو تغريدة تويتر ـ من قضية على عتبة بيوتنا تزهق فيها الأرواح بالعشرات كل يوم بيد نظام دموي. أو إنها تؤيّد النظام الذي استضافها وسعى إلى احتوائها بوصايته. أو إنها متواطئة مع النظام مستعدة للتشبيح في خدمته. أو إن هذه القيادات خائفة من بعضها البعض فلا تجرؤ على البوح أو القول الفصيح لئلا يُحسب عليها الموقف أو تخسر قطاعات من المصوتين ـ وهو العامل الذي يشلّ تماما "لجنة المتابعة". أو إنها ذات أخلاقيات لا تعمل إلا باتجاه واحد ـ منّا تجاه المجتمع اليهودي ودولة إسرائيل وأمريكا وكل ما هو شرّ حقيقي، وغالبا متخيّل! أو إنه لم يعد لدى هذه القيادات في زمن اختلاط العقائد وبؤسها "بوصلة" قادرة على القياس. أو إنها عاجزة تماما عن القياس أو إدراك ما تحول وتبدل وتخربط  بأدواتها المتقادمة وأنساقها القابضة على روح الأفراد والجماعة. أو إن الممانعة السورية المتخيّلة للإمبريالية المتخيّلة تدغدغ عند هذه القيادات "ثورية" معطوبة لا تأبه بما تقترفه أيادي النظام الدموي وأدواته من تهديم لأحياءً كاملة في مدن تاريخية فوق رؤوس أهلها! أو إن احتكار النظام السوري للعنف بهذه الدرجة يحاكي عندهم نزعات دفينة إلى "قوة" كهذه تُعيد إليهم توازنهم الوجودي في حالة من عجز عن كل شيء بسبب من سياق القهر هنا!
وقد تكون كل هذه الأمور مجتمعة. وهو ما نُرجّحه. وتبقى المحصّلة أن قيادات المجتمع العربي هنا، بما فيها مؤسسات المجتمع المدني، أيضا ـ وهي قيادة لمجتمع ضحية بامتياز ـ لسياسات قهر واضطهاد صمتت بغالبيتها. فلم نسمع منها قولا صريحا أو أنها تكرّمت علينا وعلى العالم بكلام مُبهم أو قابل للتأويل سمته الأساسية الامتناع عن المجاهرة بموقف واضح. أما عندما خرج بعض القادة عن هذا الصمت فقد كان خروجهم مستنكرا، جامحا إلى حد مناصرة النظام السوري بحجة تكلّست شرايينها وهي أنه "ممانع" وما أدراك من نعوت. قيادات لا يرتدّ لسانها إلى فمها في العادة بُحّت أو أنها نطقت كفرا مؤيدة النظام بحجة مناهضة أمريكا ومشروعها. وهو ما يُحاول البعض، ومنهم المتفلسفون الجدد، أن يقنعونا أنه يدخل في باب تعددية وجهات النظر وأن ما في أحد في هذه المسألة أحسن من أحد. قد يكون مثل هذا النسق الفكري صحيحا لو أن الأمور بشأن مواقف في السياسة والاصطفاف السياسي وتبادل الأفكار والاجتهاد. إلا أن مثل هذا النسق يصير كارثة عندما يكون بشأن حدث يحصد العشرات من الضحايا كل أسبوع ويهدم أحياء عمرها ألف عام فوق رؤوس أهلها. إنه نسق كارثة لأصحابه، وكارثة لثقافة تقوم على مثله. والأخطر أنه يبرر جرائم ضد الإنسانية بحجة الإنسانية ذاتها! الجدلية التي ينظّر علينا فيها البعض، خاصة من الحزب الشيوعي هنا، تكفّ عن العمل والفعل عندما يتعلّق الأمر بهم! من الواجب مناهضة الظلم أو سياسات الاستغلال والعدوان لكن لا يُمكن أن تناهض الفعل المستنكر هذا من خلال تحويل الناس إلى وقود لمشروعك مهما نبٌل! وهو ما كرّسه تداعي النموذج السوفييتي من درس مفاده أنه من غير الممكن ولا الجائز أخلاقيا أن تحقق الأهداف النبيلة بطرق ملتوية ودموية ـ ستالين مثلا. فما بالنا إذا كان الأمر بنظام يمارس منذ عقود كل أصناف القمع والقهر والإخضاع بحق مواطنيه كالنظام السوري! فما بالنا وبالهم بنظام خطابه قومي وسياسته طائفية بغيضة، شكواه من المؤامرة وكل تاريخه مؤامرة واحدة متواصلة ضد شعبه وضد لبنان والفلسطينيين وقرارهما المستقلّ. ما بالهم وبالنا بنظام خطف الدولة السورية إلى مجرّد "حلقة مغلقة بالشمع الأحمر" في مشروع ولاية الفقيه!
لا يقلّ إزعاجا ذاك النوع الآخر من المتحدثين في الشأن السوري. هؤلاء لا يخفون مواقفهم المنددة بالعنف المدمّر للنظام هناك، لكنهم في الفقرة ذاتها من تسجيل/تحليل/تفكيك/ تركيب الموقف ينعطفون نحو المنافحين عن النظام ويشيرون إلى عنف المعارضة المسلحة ويستنكرونه على قدم المساواة، أو أنهم لأجل تبرير موقفهم يؤكدون على رفض "المؤامرة" واستنكار المشاريع الأمريكية. محاولة تزجّ بهم بإرادتهم في مواقف بائسة تضبّب موقفهم الأول وتهيل عليه التراب. في منعطف من نصوصهم نجدهم في الحيز ذاته مع المنافحين عن القاتل والقتل يتناقشون معهم في التفاصيل! وهم يفعلون بدعوى ضرورة "استجلاء الموقف". فجأة، تحتجب الحقائق وتغيب الوقائع التي يعرفونها هم أنفسهم منذ عشرات السنين عن سورية شعبا ونظاما. فجأن يصاب الواحد منهم بحمى "البحث عن الحقيقة" والاجتهاد في معرفة أدقّ التفاصيل حتى يكون حكمهم "سديدا" علما بأنهم يرموننا في العادة بمواقفهم المسحوبة كمسدس في أحد أفلام الغرب الأمريكي!
لقد أخفقت القيادات العربية هنا على اختلافها في امتحان سورية وعلى عدة مستويات. تجاه الشعب السوري نفسه الرازح تحت حصار نظامه المستبدّ وقصف الهاون وجنازير الدبابات. وأخفقت تجاه الجماعة الفلسطينية هنا التي تتحدث باسمها أو تمثّل دور تمثيلها لأنها تكشف ثغرة أخلاقية في حراكنا وخطابنا السياسي. وأخفقت بحق الثقافة السياسية العامة لأنها تكرس نسقا كارثيا فيها يقوم على الغش الذهني وازدواجية أخلاقية. وأخفقت لأنها تبدو قيادة تبريرية ذرائعية بغير استقامة عامة تشكل نموذجا أعوج بصمتها عن التقتيل اليومي أو بمناصرة هذا التقتيل بدعاوي ممجوجة نسفها تاريخ سورية وتجربة شعبها من أساسها! لم يكن هذا الإخفاق الأول، ولن يكون الأخير لقيادة تكرّس أنساقا كارثية من الفكر والممارسة في أساسها الإخصاء المتبادل وتغييب العقل الفاعل والناقد. وإلا كيف نفهم مثلا تباكي البعض على "السيادة الوطنية" لسورية وتفريطهم بالسيادة الوطنية اللبنانية (وبلبنان وأهله، أيضا) التي لعنت سورية أبو أبوها ثلاثين عاما!
أصدر مركز "عدالة" مؤخرا ـ وبتأخير لافت ـ بيانا يندد بجرائم النظام السوري وينبذ العنف طريقة للخروج من المأزق. واقترح علينا البعض بالبريد الأثيري التوقيع على بيان انضمام لاتحاد الكتاب السوريين "الثوري"، تبعه اقتراح أثيري آخر يحثّنا على التوقيع على بيان تنديد بحرب النظام ضد شعبه. وهو الضوء في العتمة التي شقها من قبل فعل أفراد ومجموعات صغيرة رفعت شعاراتها أو سجلت موقفها الناصع البياض ضد النظام وأساليبه والوعي الزائف الذي يُشيعه بدولارات إيرانية. وهو حراك أراه موجّها في مستواه غير المعلن ضد قيادات باتت غير قادرة سوى على الإساءة لقضيتنا كجماعة ولثقافتنا. إنه مثال على عجزنا كجماعة عن التحوّل من سؤال سياسي أمام المجتمع اليهودي والعالم إلى سؤال أخلاقي، أيضا، لا يُمكن دحرجته إلى الفناء الخلفي! هي قيادات كشفت الحالة السورية تورطها في صدّ احتمالات مجيء الربيع إلى هنا مقتفية أثر كل القيادات العربية هناك التي تحاول أن تؤخّر حركة التاريخ. أما وقد تعذّر عليها استئجار خدمات شبيحة وئام وهّاب وحسن نصرالله فقد استعاضت عنها بشبّيحة الكلام و"سلوقيي النتّ"! إنه السقوط المدوّي لقيادات اختارت بإرادتها "ثقافة الاستبداد السورية" تحاول أن تواجه بها حالة الاضطهاد والاحتلال الإسرائيلية. فإذ بالثانية تصير مجرد "نزهة" قياسا بدموية الأولى! 

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق