في كل منا ديكتاتورا صغيرا ،فليقتله بالحكمة ..كميل شحادة
2012-03-01 12:11:49

لنخرج من المذابح الكثيرة ، المختلفة والمتنوعة .. لنخرج من الحرائق التي لم يخف  أوارها ولم يهدأ لهيبها ، إلا ليشتعل ويشتد من جديد هنا وهناك .. أجل لنخرج من مذابح الشام .. من مذابح التاريخ .. مذابح الفلسطينيين ، العراقيين ، اللبنانيين ، اليهود ، العرب ، الهنود ، البيض السود ، الإغريق ، الفرس ، الرومان ، التتر ، البشر ، لنخرج من المذابح المستمرة منذ قابيل وهابيل .. وتعدادها يفوق كل ما سطرته الأقلام ، وحفظته الذاكرات والأراشيف .. وبشاعاتها يفوق كل ما صورته التصاوير الكلاسيكية القديمة والألكترونية الحديثة .. لكن كيف يمكن الخروج من الجحيم ..؟! مما هو شبه واضح اليوم ، اننا نتحول تاريخيا من مرحلة مضت ،ليست بعيدة عنا ، طوت كل ما سبقها من مفهوم البطل القائد الأوحد ، والفارس الأمجد ، كنبليون وهتلر .. حتى عبد الناصر وسواه قريبا .. انه نمط  جديد في مفهوم الصانع للحدث ، الذي يفرض إرادته حتى على الديكتاتور نفسه بكل بأسه وعنجهيته وقداسته . مع العلم انه ما زال قائما بين ظهراني  عصرنا بعض من هؤلاء بدون دور بارز لهم في الصيت وفي صنع الأحداث ،وعلى تفاوت بينهم في شدة الاستبداد ، فهم مغمورون ،ان صح التعبير ، محصورون داخل دولهم  ( كوريا – كوبا – الصين – الممالك والإمارات العربية ) .. وكأنهم يجلسون تحت عروشهم لا فوقها ، خوفا من هدير الحريات التي تنشرها وتحارب باسمها الديمقراطيات الغربية تحديدا ، سواء كانت قد فعلت، وتفعل ذلك لتجارة المال ، أو لتجارة أخرى ، وسواء قصدت لما يحدث في العالم العربي ،أم لم تقصد ، وبغض النظر هنا عن أحقية الشعوب العربية طبعا في الحريات المعقولة.. بكل الأحوال لا إنكار في انه من أقوى أسباب هذا التحول في مفهوم صانع الحدث ، الذي ساوقه في التحول، التغيّر على الأرض ، هو العامل التقني في الاتصالات بين أفراد المجتمع المعاصر،الذي وصل بيوت العرب في كل العالم العربي ، والذي هو بحق، الثورة التي سبقت الثورات العربية الأخيرة ،وساهمت أشد إسهام في خلقها ، دون سابق إنذار  لمعظم أنبياء الشعر والأدب والفكر .. في حين تنبأ بعض المثقفين –  منذ أكثر من عشر سنوات ، ومنهم من قبل هذه الفترة .. ومنهم بعدها – ولن أذكر هنا أسماء معروفة في ذلك .. فشأني هنا بالذات محاربة هذه النزعة في البروز والتبريز الشخصي ، كعلة أساسية في صنع الديكتاتوريات بكل ألوانها وأصنافها وأحجامها .. أجل ولا نزال نعاني أشد المعاناة من ذلكم – وهنا أقصد الآن نحن العرب – في حين اخال سائر الشعوب والأمم لم تتطور عنا كثيرا في شأن العلاقات بين الفئات الدينية والطبقية والقومية ،رغم الحالة والحلة السطحية التي تأتزر بها في الحياة اليومية الهادئة، من أسلوب في التعاطي الاجتماعي والسياسي المنفتحين .. ولا أظن ان التعامل الغربي في سياساته الخارجية مبني فقط على المصلحة ، دون دخول العامل الديني التعصبي من وراء ذلك ، كمسيحيين مقابل مسلمين ، مثلما يجري بين بوذيي التبت وكنفوشيي الصين مثلا وأيضا .. دون ان ننسى الصراع الصهيوني العربي ، الذي يبرز فيه بوضوح العامل الديني إلى جانب العامل القومي والمصلحي .. لكن لندع هذا كله .. فما يعنيني الآن ،مذابحي وحرائقي كعربي ،وهي تختبىء تحت رماد علاقاتنا في أمكنة وتظهر علنا في أخرى ، بين عائلاتنا وطوائفنا ومذاهبنا وقبائلنا ومللنا ..إلخ فليس تمسكنا علنا ورسميا بالحل الديني والمذهبي إلا لعلتين : الأولى تخلفنا مدنيا بما يحتوى هذا المفهوم على أسباب الاستقلال والاكتفاء الذاتي التخنوكتروني والاقتصادي ،والسياسي بالتالي .. أي هو الضعف أمام القوى الغربية والخارجية عموما ، فيجد هذا المذهب أو ذاك ملجأه في التراث الديني، منقطعا في كل الأحوال عن أصله الروحي الحقيقي  . أما العلة الأخرى تتمثل في افتقارنا لفكر حقيقي أكثر ولوعي حقيقي أكثر تجاه وجودنا أصلا .. وربما هذا ما جعل الدينيين يتفقون مع القوميين والتقدميين في - تونس مثلا - مع حذر وخوف وشكوك من قبل الجميع، لئلا تنكسر فجأة تلك الطبقة الرقيقة الفسيفسائية الجليدية تحت الأقدام .. وهذا واقع غير مريح ..
 نحن نحتاج لثورة حقيقية في الوعي الوجودي ، وهذا مرتبط عضويا وسببيا مع نهج أخلاقية سليمة تجاه أنفسنا أولا وتجاه بعضنا جميعا ، ركيزتها العقل والعقلانية بدءا ً والجدية في التعاطي مع كل شيء . ومن يفهم العقلانية بدون حرية تعبير وبدون مرونة وأخلاق وتسامح وتجاوز وفهم وتفهم للآخر .. أو بسلبية تجاه من يعتدي على حقوق الناس ، فهو مخطيء . فالثورة المرتجاة هي ثورة في الوعي تجاه حقيقة الوجود ، حقيقة الوجود ذاتا وليس حُجبا وانعكاسات للأنا العرضي الزائل فقط ، كما يجري في الواقع للجميع .. لرجال الدين وللسياسيين وللمثقفين، ولعامة البشر ، الذين يتربون وينتفخون على أيدي هؤلاء ،بالتبعية والعادة والعصبية العمياء . عليك ان تدخل بنفسك محراب النور وتغتسل من كل أدران التبعية والعصبية ، ومن شتى المرجعيات التي تقولبك ، وتنمذج عقلك وتوجهك منذ آلاف السنين .. أجل حطم جميع القوالب واخرج "عاريا" ثم اجعل مسافة بينك وبين نفسك أولا ، بعد ذلك تكلم ، فلا يحق لك – بدلالة المغزى الأخير -  أن تتكلم – فضلا عن ان تفسر وتشرح وتعظ  وتهدي وتؤلف الكتب، قبل ان تكشف بذاتك عن حقيقة ذاتك في هذا العالم ، وليس في سواه ..   


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق