الرأي وأنعدام الرأي الأخر نزار عامر
2011-11-24 21:48:14

الرأي الواحد في مواجهة الغول الوهمي: منذ بداية الصراع العربي الأسرائيلي، تميز الرأي العام العربي بتبني وجهة نظر واحده، واضحه وغير قابله للجدل وقلما نسمع كلمة  أنتقاد او رأي مغاير وفي حال حدث المستحيل وتجراء هذا الشخص او ذاك على تحدي الرأي السائد قامت الارض وقعدت ووجهت الاتهامات بشتى اشكالها محاولةً جاهده تلطيخ هذا الجاني، تشويه شخصه وقمع فكرته.

لقد استخدم العديد من القاده العرب القضيه الفلسطينيه لتخويف شعوبهم فأُعلنت قوانين الطوارئ وسُلبت الحريات وواضبت قنوات الأنظمه الغاشمه بوصف الدوله اليهوديه بالعدو الصهيوني، وكلما زاد الاضطهاد زاد عيار التخويف وحقن الكراهيه لشرايين الشعوب، ودارت الايام وأنظم الى الانظمه العابثه بالرأي العام العربي من هم ليسو بعرب، فصرنا نسمع  المسؤول الايراني يهاجم اسرائيل ويدّعي شغفهُ للفلسطينيين واهتمامه بالتراب الفلسطيني ولو كان يجهل اين تقع بيت لحم مُقارنة بالخليل، لا يأبه بمن يكون محمود درويش ولا  تحرك به كلمات فدوى طوقان أقل ألمشاعر وأبسطها واصبحت القضيه الفلسطينيه لعبه بايدي أولئك لخدمة مصالحهم.

وجاء الربيع العربي التونسي ومحى كثير من المفاهيم القديمه وتلاه الصيف المصري ولربما الشتاء الشامي مع تعالي الاصوات المطالبه بأسقاط النظام بعد ان أدرك الشعب السوري ان الوحش الوهمي الاسرائيلي هو خليقة الصحافه التشرينيه وتلفزيون المهزله السوري. والحقيقه ان اسرائيل اشتركت بحروبات فُرضت عليها من قبل من اقنع نفسه انها خدعه سرعان ما تزول، ولكنها لم تكن بالخدعه وحققت النصر تلو الاخر ولم تزول ولن تزول.

الحرب والسلم، المفاوضات والارهاب:
يتهم البعض اسرائيل بالمماطله بالمفاوضات وبعدم توفر الرغبه الحقيقه لتحقيق السلام لدى قاداتها ومواطنيها، لا اريد ان اتصدى لهذه الاتهامات او اشكو التقصير، التعجيز او التردد الفلسطيني. ولكن دعوني استعرض نقطتين الاولى تاريخيه وتعود الى اتفاقيات السلام المُبرمه بين اسرائيل من جهه ومصر والاردن من جهه اخرى، الا يدل ذلك على جدية اسرائيل أخذين بعين الأعتبار ان الدوله اليهوديه تخلت عن سيناء كاملة من اجل السلام (والتي توازي ثلاثة مرات مساحة اسرائيل وتنعم بالثروات الطبيعيه). اضف ألى ذلك ان اسرائيل ابدت استعدادها عدة مرات للتوصل لاتفاق عادل مع سوريا ولكن الرئيس السوري رفض التفاوض  ولربما كان منشغل بتفعيل الشبيحه وزرْع  المخابرات بجانب كل كشك سجائر وفي كل مطعم سمك. النقطه الثانيه تعود لصفقة تبادل الاسرى الاخيره بين اسرائيل وحماس، ففين حين تمنى الجندي الاسرائيلي شليط بمقابله للتلفزيون المصري،  وبعد خمس سنوات ونصف في الاسر نسى خلالها كيف يكون صوت شخص اخر وفى اول لقاء له مع اشعة الشمس بعد طول الغياب، تمنى شليط لو ان الصراع ينتهي والحرب تزول ويعود كل اسير لأهله. من جهه اخرى نسمع الأسرى الفلسطينين سابقاً يتوعدون اسرائيل باستمرار الصراع، القتال والارهاب. لقد كنت اتوقع من أولئك وبعد ان سلكوا طريق الارهاب وفشلوا، ان يتبعوا نهج جديد لا ينطوي على القتل والترهيب.

يطعن قادة حماس ان درب المقاومه الداميه هي الوسيله الوحيده لخدمة مصالح الشعب الفلسطيني، متباهين بصفقة شليط واطلاق سراح ١٠٠٠ اسير و ٢٧ اسيره فلسطينين ويتساءلون "ماذا حققت طريق المفاوضات؟"ً لعل الرد على هذا التساؤل بسيط للغايه اذا ما اعتمدنا نظره تاريخيه رقميه نستهلها بعام ٢٠٠٧، فمنذ تموز تلك السنه تم الافراج عن اكثر من ١٢٠٠ اسير فلسطيني بمبادره اسرائيليه تهدف دعم المفاوضات وكبادرة خير من اجل تعزيز الثقه بين الطرفين. واليكم التفاصيل غير الممله: في تموز ٢٠٠٧  افرج  رئيس الوزراء اولمرت عن ٢٥٥ اسير فلسطيني، في تشرين الاول من نفس السنه تم الافراج عن ٨٧ اسير بمناسبة حلول شهر رمضان الفضيل وفي تشرين الثاني وقبيل محادثات انابوليس عاد ٤٤١ اسير الى بيوتهم. في اب  ٢٠٠٨ اُطلق سراح ١٩٨ اسير بمحاوله لحث السلطه الفلسطينيه على المضي قدما بالمفاوضات، في كانون الاول من نفس السنه تم اطلاق سراح ٢٧٧ اسير بمناسبة حلول عيد الاضحى. وليقرر كل منكم اي الطريقين اكثر فعاليه. 

معاناة الفلسطينيين الحقيقيه:
 غزه مُحاصره وسكانها يُعانون، لا شك بذلك، لكن من نُحمل مسؤولية ذلك العناء؟ يجوز اتهام اسرائيل كالعاده، ولكن لو قمنا بمقارنه بسيطه بين قطاع غزه والضفه الغربيه، بين مدينتي رام الله وغزه لرأينا فرق شاسع فلا حصار على رام الله ولا ازمه والسبب واضح للغايه ويعود للفرق البسيط بين حكومة فتح والحكومه الحماسيه صاحبة شعارات الارهاب وسياسات العنف، التي وللأسف تطبقها حتى في تعاملها مع مواطنيها. السياسه الحماسيه هي ذاتها سبب معاناة مواطنيها والعائق الرئيسي في طريق المصالحه الفلسطينيه وتحقيق السلام في المرحله التاليه. وفي سياق المصالحه الفلسطينيه، يجدر التنويه بان الحديث جار على دولتين لشعبين، ولكن حالياً وحسب التطورات على الساحه الفلسطينيه يبدو انه ستكون هنالك ثلاثة دول لشعبين، الاولى لاسرائيل، واحده لفتح واخرى لحماس، ويمكن ان نحتاج لدويلات أخرى في حال حدثت انقسامات جديده. ايعقل ذلك ؟
 
كثر المتعاملون مع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي عبر منطق الارقام وعدد الوفيات فسرعان ما ينصبون ميزاناً وهمياً ويضعون القتلى الفلسطينبين وعليهم حبة الخردل في كفه وكثيرا ما يتناسوا وضع القتلى الاسرائيلين فى الكفه الاخرى، وعادة ما ترجح الكفه الفلسطينيه. انه لشيء مؤسف حتما ان يموت الابرياء بغض النظر كيف ولماذا، ولكن الفرق بين حماس واسرائيل يكمُن بالنيات، ففي حين يستهدف نشطاء حماس المساكن المدنيه املين ان يحالفهم الحظ ويضفروا بالابرياء، اسرائيل تستهدف القياديين والنشطاء الحماسيين وان اصيب الابرياء فذلك غالبا بسبب استخدام حماس البيوت، المدارس، الجوامع والمستشفيات كمنصات لاطلاق الصواريخ مستخدمين ابناء شعبهم كدروع بشريه واحيانا بسبب اخطاء ميدانيه اسرائيليه . خلاصة القول: الصراع يقتل الابرياء وانما الاعمال بالنيات.

ليس هنالك انسان صاحب ضمير صاح ممكن ان يتغاضى عن الألم الفلسطينى ولكن يجب ان ألا نتناسى قتل الاطفال الاسرائيلين بأبشع الطرق. حل الألم الفلسطيني لن يتم بواسطة قتل الابرياء الأسرائيلين وتبني الارهاب كسياسه وانما هجر طريق العنف والبدء بالمفاوضات وهيهات لو ان حماس تدرك ذلك عاجلاً ولو لم تفعل ذلك راغبةً فمن المؤكد ان الزمن سيرغمها على ذلك شأنها شأن غيرها من المنظمات الأرهابيه التي أُجبرت على خلع الارهاب من اجل تحقيق مطالب شعوبها.

حقيقة دولة اسرائيل المؤلمه:
 اسرائيل دوله ديموقراطيه، رائده بالعلوم، متألقه بالطب والثقافه، تنعم بصحافه حُره وشفافه واقتصاد زاهر. دوله تمنح اقلياتها من العرب الحقوق والفرص لتحقيق طموحاتهم، ليكونوا اصحاب دور فعال بالمجتمع الاسرائيلي وحتى دبلوماسيين يتحدثون بأسمها مع اسماع ما لديهم من انتقادات ذاتيه وآراء مغايره. مع ذلك ومثل أي دوله اخرى، اسرائيل لا تخلو من المشاكل وهنالك تحديات جمه في انخراط مواطنيها العرب في كافة المجالات الحياتيه كمواطنين متساوين لأبناء الاغلبيه اليهوديه. ولكن وبسبب طابعها الديموقراطي، بإمكان أي شخص وبغض النظر عن خلفيته وانتماءه ان يسُمع صوته ويتقدم بشكواه وهنالك انظمه للبت بتلك الشكاوي كالمحاكم الأستئنافيه التي يشهد لها العالم بشفافيتها ومستواها المهني الراقي وانظمه النقد والرقابه الذاتيه.

اعتماد الحقائق لتحقيق السلام:
 منذ نعومة اظفاري، حين كان يشب خلاف بيني وبين صديق، وبعد ان كان قد يأس كلانا منه وبلغنا حالة من  ألاحباط، كنا نقول انذاك "يا عمي هاي مش قصة فلسطين" بمعنى ان لهذا الخلاف ممكن ان يتوفر الحل بخلاف القضيه الفلسطينيه، ومرت عشرات السنين وما زلنا نستعمل تلك الجمله وعلى ما يبدو سيبقى الوضع على ما هو عليه حتى تتغير المفاهيم العربيه للصراع لتكن اكثر واقعيه، ترتكز على دعائم منطقيه وموضوعية وتراعي الحقائق التاريخيه بدلا عن أعتماد الكراهيه العمياء وتشويه الحقيقه.
 
يصح القول بان الشعب العربي ما زال يعشق "الحكي الفاضي" بمختلف اشكاله من هتافات حماسيه، اعتلاء الخيول الوهميه، توعد العدو، ونفخ العضلات ولو انعدمت. ألم يحن الوقت لحساب ذاتي عربي؟  حان وقت ادراك حقيقة  الواقع والعمل على تغييره بشكل واعي وعملي. الم يحن الوقت للسلام الواعي، لنزع الكراهيه التي لطالما غذت النفوس، وأغتنام الفرص لتحقيق السلام عن طريق المفاوضات والأخذ والعطاء. ليس هناك طريقه بديله للمفاوضات وان طالت، ولو وجدت لتم التوصل اليها خلال سنوات الصراع العديده. 

بالله عليكم قبل البدء بالاتهامات ومحاوالات التلطيخ، فكروا ملياً بالامر وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.

نزار عامر دبلوماسي عربي اسرائيلي

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق