عن الدجاج السياسي إما أن نكون شعباً، ونتصرف كشعب، أو لا نكون...
2011-08-23 17:28:58

لم يؤدِ الحراك الجماهيري الإسرائيلي الذي يطالب بالعدالة الاجتماعية، إلى اعتزازي "بوجود شعب إسرائيلي افتخر بالإنتماء إليه...". لكن ازداد عدم اعتزازي ببعض قيادات عربية تمثيلية  وبكتبة مقالات قرروا أن لا دخل لنا في هذا الحراك، بحجة أننا بقية شعب إحتلت الحركة الصهيونية وطنه وشردته، وأقلية قومية تعاني من سياسة التمييز العنصري، وقضايانا مختلفة. بناءً عليه – يضيف البعض -صراعنا صراع وجود في مواجهة حكم كولونيالي. وحل هذا الصراع يكون عن طريق النفي، فإما وجودنا وإما وجودهم. ولذا علينا ألا نتصرف كإتحاد عمالي نقابي يسعى لتحصيل مطالب اجتماعية ــ إقتصادية.

      مرّة أخرى "يقصفنا" خطاب المحقين الراديكاليين العرب... بمدافعة الثقيلة. علماً بأنه مشلّح وليس بمسلح. ويكاد يصّم أذننا ويحجب الرؤية عن اعيننا بقنابله الصوتية والدخانية... الكلامية طبعاً. فلا يمنع أمراً مكروهاً ولا يحقق انجازاً مطلوباً.

" يا بشرب من رأس العين، يا بموت عطشان. يا بأخذ وحدة شلبية، يا بحلف عالنسوان" ــ يزاود بعض سياسيينا وصحفيينا، لا المغني فقط في أغنيته الساقطة والمتخلفة. هذا دون أن يروونا من رأس العين، ولا من وسطه وطرفه أسقونا. وبقينا وحيدين عطشانين لخطاب ولفعل الفاعلين، تحت لهيب الخطابات والمواقف الكلامية النارية وغير الفاعلة.

      يظهر، كما تدلَّ تصريحات وردود فعل بعض السياسين العرب، أننا إعتدنا إلى حد الاستمراء لكوننا مفعولاً به لا فاعلاً. وإن فـَعـَلنا يكون فِعلنا رد فعل كلامي لتسجيل الموقف، لا مبادرة لموقف ولا ممارسة لتحقيقه. هذا مع العلم أن لغتنا الجميلة غنيّة بأفعالها. وهي لا تقتصر طبعاً على أفعال: صرّح، وزاود، وقرّر، وأرسل. وإنما فيها أيضاً، لعلم قياداتنا، أفعال: طبق، نفذّ، مارس، جددّ، واستمع... إلى نبض الشارع. 

خصوصية ...العام

      شيء جديد ونوعي يولد في المدن الإسرائيلية. لأول مرة تخرج للشارع النضالي وبجماهيرية متعاظمة، "القبيلة" اليهودية الخرساء النائمة والمسجونة ضمن عنكبوت ــ فزاعة الأمن والعسكر، والمسمّمة بقومجية ووطنجية شوفينية وعنصرية. تخرج لا لتهتف كالقطيع لملك إسرائيل "الحي القيوم"، ولا لتهلّل للجيش الذي "لا يُقهر"، ولا لتزعق "الموت للعرب". وإنما لتمارس قرارها: " الشعب يريد العدالة الاجتماعية".

      أمر جديد ينهض أمام اعيننا. تقول الأغنية العبرية: "فجأة نهض إنسان في الصباح، شعر أنه شعب، وبدأ بالمسيرة...". فما بدأ باحتجاج بضع عشرات على غلاء سعر لبنة "الكوتيج"، وتبعته مطالب فئوية لقطاعات اجتماعية مختلفة، أصبح حركة جماهيرية بمئات الوفها التي توحدت تحت سقف: " الشعب يريد العدالة الاجتماعية". والعدالة الاجتماعية أصبحت تعني وتشمل، كما تطوّر تنظير المعتصمين من خلال الممارسة: دولة الرفاه، والتوزيع العادلة للثروة، والتكافل الاجتماعي، وتطوير الخدمات. وكل هذا يعني تخفيض أسعار السلع الحيوية ورفع أجور الفئات المتوسطة والفقيرة وتوفير المسكن ودعم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية وتوفير فرص العمل للمحتاجين. هذا إلى جانب التركيز على تطوير المناطق الجغرافية المهملة في البلاد وعلى دعم الفئات السكانية المهمشة. وهنا يجري ذكر المواطنين العرب أيضاً ومناطقهم.

      أي أنه ما من مطلب طرحه هذا الحراك الجماهيري المبارك إلا وكان عادلاً. ويخص العرب بعموميته وبصفتهم مواطنين في هذا البلاد، وبخصوصيتهم لكونهم الأكثر فقراً إقتصادياً واجتماعياً والأحوج للأرض وللمسكن وللعمل والعيش الكريم وللدعم الاجتماعي. لكن العرب مغيبّون تمثيلياً تغيّباً ذاتياً، بين مجموعات قيادات هذا الحراك، وجماهيرياً بين مئات ألوف المعتصمين والمتظاهرين. وبدلاً من تدارك هذين الأمرين، يلجأ بعض السياسيين الحزبيين والصحفيين العرب إلى تحذير شعبهم من أن تلبية مطالب قادة الحراك سيكون على حسابهم كعرب(؟!).فهؤلاء صهاينة يريدون عدالة اجتماعية لليهود فقط، والإعتماد على نضال مشترك معهم ضرب من العبثية. ولا حاجة للإنبهار بهم حتى النشوة، أو التعويل عليهم مهما تجّملواً. ومن العار أن يخفـّض العرب سقف مطالبهم وأن يتنازلوا ويتراجعوا ويتوسلوا حتى يُلحقهم الآخر الكولونيالي بنضال مشترك لصالحه...الخ الخ، من قصف ثورجي إنشائي، لا يمت لحقيقة واقع المسألة المطروحة الآن والمطلبية. كذلك هو قول البعض إن "أي مطلب لا يُغير الأساس القانوني للعرب يكون شكلياً".

      هذه فذلكة متفذلك يلجأ لوضع أقوال ومواقف خاطئة لدى خصمه لتسهيل مهمة دحضها وتخطيئه وتجريمه. فما من جهة "عوّلت وتنازلت، وتوسلّت، وتراجعت، وانتشت، وخفضت، واعتمدت...الخ". ولم يتحفنا هؤلاء النقاد الراديكاليون بأي تفسير من عندهم يدحض عدالة المطالب الاجتماعية الاقتصادية والمدنية التي طرحتها وبلورتها مجموعات الحراك الاجتماعي، ولا أي إنكار لكون المواطنين العرب الأحوج إليها. إذاً على شو هذه الجعجعة بدون طحين؟

        أما الادعاء بأن حلها سيكون على حساب العرب...فتلك مسألة خلافية أخرى. إذ أن تخفيض الأسعار ورفع مستوى الأجور والخدمات الاجتماعية ودعم الفئات الفقيرة والمتوسطة... هي مطالب تخصنا. ولا يمكن أن يكون حلها على حسابنا، لكونها مطالب عادلة وعامة للمواطنين عموما. وقادة الحراك لا يطلبون حلها على حسابنا، بل يطالبون بمشاركتنا في النضال لتحقيقها. وإذا ما قررت الحكومة الإسرائيلية حلّ بعض المسائل المطلبية على حسابنا – مثلا قضية الإسكان - نتصدى لها. ونجنّد قادة الحراك لجانبنا في هذا التصدي من باب أن "العدالة الاجتماعية" لا تتجزأ، ولا تكون عدالة إن كانت عنصرية. وإذا لم يتجاوب معنا عندها قادة الحراك... نواصل كفاحنا الخاص وطرح مطالبنا. أصلاً نحن لا ندعو لمشاركتهم في الكفاح لأجل عيونهم...بل لأن مطالبهم العامة مطالب عادلة وتخصنا أيضاً.

      أما الإدعاء بشكلية المطالب وعدم أهميتها ما دامت لا تغير الأساس القانوني للأقلية القومية في وطنها...فهذا تطاول على تجربتنا التاريخية في هذه البلاد وإنكار لكفاح ومنجزات العرب المطلبية منذ الـ 48 وحتى يومنا هذا. ومزاودة تحّمل نضالنا المطلبي المدني والاجتماعي مهمة إزالة غبن سياسي تاريخي أصبح عمره اليوم 63 عاماً. نعم ما من حل جذري وأمثل من تغيير الأساس القانوني والإعتراف بنا كأقلية قومية هي البقية الباقية من أهل البلاد الأصليين وإلغاء العنصرية وجعل الدولة دولة مواطنيها والضمان الدستوري للحقوق القومية والمدنية الجمعية للأقلية. لكن أين الشكلية في انتزاع أي حق ومكسب على هذا الطريق نحو الحل الأمثل؟! كل مطلب انتزعناه وحققناه منذ الـ 48 عزز من بقائنا وصمودنا ورفع من سقف تطلعاتنا. وساهم في بلورة هويتنا القومية والوطنية، وأوصلنا لطرح مطالب أكثر جذرية، بما فيها الحقوق الجمعية القومية ودولة المواطنين.

      يُشكل العرب 20% من مواطني هذه الدولة التي نريدها دولة مواطنيها. ولأننا نريدها هكذا، من واجبنا أن نمارس مواطنتنا المسلوبة، لا أن نستكين لكونها دولة يهودها وعنصرييها. ونحن كعرب وكمواطنين نريد أن نحيا ونأكل ونشرب ونرتدي ونسكن ونتعلم ونعمل وننشئ أبناءنا ونتعالج طبياً ونشيخ ونتقاعد... بإكتفاء اقتصادي وخدمات اجتماعية تضمن احتياجاتنا الحياتية اليومية وكرامتنا المعيشية. بناء عليه، من واجبنا المشاركة الفعالة والفاعلة في الحراك الاجتماعي العام دون أن نغفل مطالبنا الخاصة كأقلية قومية تعاني من العنصرية والتميير والإقصاء والتهميش. ولا توجد أية أقلية قومية تعاني من التمييز القومي في دولة في العالم، عزلت نفسها بنفسها وبإرادتها عن الحراك العادل لقومية الأغلبية. بل هذا كان هدف دين وديدن السلطة العنصرية الحاكمة، في كل زمان ومكان. أما انعزال الطليعة السياسية الحزبية والمنظمة عن هذا، وعن القضايا المطلبية المعيشية للناس، فيقود إلى انعزالها عن شعبها ومطالبه أولا.

      

عمومية... الخاص

نعم، للعرب قضاياهم الخاصة أيضاً. ويصعب عليهم أن ينسجموا مع كل ما يصرح به قادة مجموعات ذاك الحراك، وما يرفعونه من شعارات وأعلام وينشدونه من أناشيد قومية. لكن بإمكان الخصوصية العربية أن تجد وتبلور المشترك العام في إطار مطالب مجموعات الحراك، دون التنازل عن طرح أجندتها العربية الخاصة المتماهية مع المطلب العام بالعدالة الاجتماعية. وليس من مصلحتي كعربي، بل من المسيء لقضيتي قومياً ومدنياً، أن أشدد الآن على إبراز الفوارق والتمايزات في الدوافع والخلفيات والمطالب... بيني وبين اليهودي من قادة الحراك. هذه انعزالية وفجاجة تهدف إلى تبرير التقاعس عن المشاركة الفاعلة، وتقود إلى  المزيد من تهميشي وإقصائي كمواطن، وإلى إضعاف النضاليْن: المطالب العامة المشتركة التي هي لصالحي أيضاُ، والمطالب الخاصة بي كأقلية قومية مميّز ضدها والتي أريدها أن تصبح مطلباً عاماً.

      لا توجد عندي أية مشكلة في فهم وتفهم المواطن العربي الذي يشعر بالغربة عن المجتمع اليهودي الذي قام على حساب مجتمعه. واقترفت حكومته كل الموبقات العنصرية بحقه بهدف تهجيره وتغريبه وتهميشه وإقصائه. ولا أعاتب العرب لمشاعر اليأس والإحباط وفقدان الأمل من يقظة مدنية كانت مأمولة لهذا المجتمع طال انتظارها. عتابي على قوى سياسية عربية، طليعة مدنية حضارية ومدنية، تؤدلج هذه العزلة وتحوّلها إلى مطلب قومي وثوري... للمعزول!

      يختبئ دعاة الانعزال وراء أقوال صحيحة مثل القول إن العراقيب ليست تل أبيب. ومن الضروري والهام ان ننصب خيم الاعتصام والاحتجاج في بلداتنا العربية ورفع المطالب الخاصة بشعبنا. وأن قادة الحراك الاجتماعي في البلدات اليهودية يفصلون ما بين السياسي والاجتماعي ــ الاقتصادي. ويصل الأمر بغلاة الراديكاليين الثورجيين من بينهم إلى حد تحذيرنا بأن الإسرائيلي يطرح مطلب العدالة الاجتماعية "في سياق صهيوني" ويطالب عملياً " بعدل كولونيالي"، وهو خرّيج وحدات قتالية " قتلت وشردت شعبنا واستعمرت أرضه"... الخ،الخ.

      الحمد لله، الذي لا يُحمد على مكروه سواه، أن أحداً منا لم يطالب قادة هذا الحراك الجماهيري الاجتماعي العادل بالإعلان عن قناعتهم الصوانيّة بضرورة إزالة دولة إسرائيل من الوجود ورمي يهودها في البحر، إلا أولئك اليهود الذين يجهرون مشفوعين بالقسم، بأن الصهيونية حركة استعمارية وفاشية ونازية يجب قتل كل أتباعها. عندها نقبل مشاركتهم في النضال لتحسين ظروف معيشتنا في... إسرائيل!

      الغريب العجيب هو لجوء بعض هؤلاء "الثوريين" إلى مقولات فكرية جدلية، هيغيلية ماركسية، من خلال الفهم الخاطئ لها مُضفين عليها نقيضها ــ أي الميكانيكية بدل الجدلية. فالأمور عندهم تنحصر ضمن تأطير "إما...أو"، يا أسود يا أبيض. وبشكل تسطيحي ينفي جدلية "الإمْا" "والأوْ" و"الخاص والعام" و "السياسي والاقتصادي الاجتماعي" و"القومي والوطني" و "الحلم والواقع" و "الثوري والمطلبي"...الخ.

ما من تناقض عدائي بين النقيضين في المقولات أعلاه. فإبراز خصوصية قضيتي ومطالبي كمواطن عربي ونصبي لخيم الاحتجاج في بلداتي العربية، لا تعني التنكر للعام الذي يخصني وللخيم في الوسط اليهودي. فأنا أعمل وأناضل على أرض وفي فضاء هذا المجتمع العام. ومشاركتي في "إحتجاحات روتشيلد" لا تتناقض في أن أقيم الدنيا ولا أقعدها إحتجاجاً ونضالا خاصاً في بلداتنا العربية - (لكنهم لا يقومون بهذا الخاص وينّطرون ضد المشاركة في العام). ثم ما من نضال مطلبي اجتماعي واقتصادي إلا وله خلفيته السياسية، والعكس صحيح أيضاً. وهذه مسألة تراكمية لا أوتوماتيكية. ويستغرق الناس وقتاً طويلاً وتجربة متواصلة ومتطورة حتى يربطوا ما بين تحصيل حقوقهم المطلبية المعيشية وتغيير السياسة العامة، بما فيها سياسة الاحتلال والاستيطان.

      لكن هذا لا ينفي شرعية وضرورة واهمية النضال لتحقيق مطالب اجتماعية مدنية دون إحداث الإنقلاب الثوري السياسي المنشود. ثم من الخطأ عدم رؤية نواة السياسي في الإحتجاج الاجتماعي. فالحراك الحاصل هو، حتى لو لم يُصرح أصحابه بهذا، ضد السياسة الاقتصادية للحكومة وقد يؤدي إلى إنتخابات قريبة واسقاطها. وعندما تعجز هذه الحكومة عن تلبية كل مطالب هذا الحراك الاجتماعي (وستعجز) تنفتح الآفاق نحو قطاعات واسعة لربط معاناتهم بميزانيةــ سياسة ــ الحرب والعسكر والإحتلال والإستيطان. ثم ما من أحد طالب عرب هذه البلاد بعدم إبراز هذا الإرتباط وبضرورة تصعيد النضال ضد الإحتلال والتمييز العنصري. فهذا مطلوب منهم، ومن خلال مشاركتهم في النضال الاجتماعي العام... وتصعيد نضالهم الخاص.
لم... ولكن

لم يمنع أحدٌ أحزابنا العربية ولجنة المتابعة ولجنة الرؤساء، وسائر الأطر والمؤسسات والجمعيات التمثيلية والأهلية والمدنية لشعبنا، من النضال وتصعيده في الوسط العربي وعلى مفارق الشوارع الرئيسية وبمحاذاة المدن اليهودية. وخصوصاً أن البلاد وأجواءها العامة على ضوء حراك الجماهير اليهودية، وكذلك إعلامها العبري، لم تشهد زمناً وفرصاً مواتية لسماعنا وللتعاطف معنا وعدم إقصائنا.. أفضل من الزمن والفرص التي وفرتها الأسابيع الأربع الماضية. لكننا لم نفعل هذا!

      ولم يمنع أحدٌ كل هيئاتنا التمثيلية من طرح قضية الأرض والمسكن كقضية خاصة حارقة للعرب في ساحات مدننا، وفي ميادين وساحات الحراك الاجتماعي في المدن اليهودية. أقصد وقف سلب الأرض، وتخصيص أراض من الدولة لبلداتنا ــ للإسكان الجماهيري ولمناطق صناعية وتجارية وخدماتية، وتوسيع مسطحات النفوذ والبناء وإقرار الخرائط الهيكلية، ووقف هدم البيوت، والإعتراف بالقرى الغير معترف بها، والتسريع في إقرار رخص البناء... الخ. لكننا لم نفعل هذا!

      لم يمنع أحدُ قيادتنا من تنظيم مسيرة كفاحية جماهيرية تخرج من بلداتنا العربية ، بمشاركة عشرة آلاف عربي، خمسين ألفاً ،مائة ألف، ربع مليون...، تقتحم الشوارع الرئيسية العامة وتدخل أكبر البلدات اليهودية في طريقها، لتصب بحراً جارفاً في وسط ميدان تل أبيب... حيث مركز الحراك الاجتماعي اليهودي. ويتقدم المسيرة شعاران: "الشعب يريد العدالة الاجتماعية" و " الشعب يريد إسقاط سياسة التمييز العنصري". لكننا لم نفعل هذا!

      ولم يمنعنا أحد من جعل الأرض تزلزل زلزالها حتى داخل مناطقنا وبلداتنا، لا في الناصرة ومنطقتها، ولا في منطقتي البطوف والشاغور، ولا في النقب والمثلث والجليل والقرى غير المعترف بها، ولا في المدن المختلطة. لكننا اكتفينا بنصب خيمة هزيلة هنا، وتظاهرة أهزل لرفع شعارات هناك، بمبادرات محلية ضيقة. وكانت بغالبيتها شخصية أو فئوية وحزبية  ضيقة ، وبدون مشاركة جماهيرية واسعة. وغاب عنها النفس النضالي التصعيدي والمواجه. بل جرى نصب بعض تلك الخيم –لا كلها - من باب " شوفوني يا ناس". هذا بدلاً من توحيد الشعب... كل الشعب في زئير واحد لأسد واحد.

      ولم يمنع أحد أحزابنا وهيئاتنا من توحيد أنفسها تنظيما وممارسة في حراك قومي واجتماعي ديمقراطي جامع. لكنها...ولكننا أنشغلت وأشغلتنا (وهكذا صحفنا العربية) في صراع بين دعاة المشاركة في الحراك العام(الجبهة في الأساس) ودعاة الخصوصية القومية(التجمع في الأساس)، على حساب مصلحتنا الخاصة والعامة. علماً بأنه من من تناقض عدائي بين الأمرين. فلا "الجبهة" ولا "التجمع" يتنكران لجواز هذه المشاركة (مع أن غالبية المقالات المنشورة في "فصل المقال" بهذا الخصوص وكذلك افتتاحياتها تترك انطباعاً آخر...). وهكذا أحلنا المعركة الجمعية العامة ضد السياسة الاقتصادية والعامة للحكومة اليمينية والعنصرية إلى معركة فئوية داخلية في ما بيننا. أما "الإسلامية"، الشمالية خصوصاً، فلم تنشغل كثيراً بكل مسألة هذا الحراك الإجتماعي العام والخاص. فهي لا تنشغل بسفاسف الأمور... على حساب انشغالها بدولة الخلافة الإسلامية العامة وعاصمتها القدس الشريف، والتي أصبح تحقيقها قاب قوسين وأدنى ــ كما وعدنا نائب رئيس الحركة.

      غريب عجيب أمرنا: لا نشارك بالعام بحجة الخاص، لكننا في الوقت نفسه لا نصعّد من كفاحنا في سبيل الخاص حتى نفرض أجندته على العام... ونعاتب العام لأنه لا يطرح مطلبنا الخاص!

      وبلغني، بينما كُنت أكتب الخاتمة لهذا المقال، أن لجنة المتابعة عقدت وأخيراً إجتماعاً لبحث موضوع الحراك الاجتماعي ودور العرب فيه... (بكير، صح النوم، ولما هذه العجلة. إذ لم يمر على انطلاق وتصاعد الحراك إلا...شهر بكامله!). كما يظهر قيادتنا لا تفوّت أي فرصة في تضويع الفرصة. لكن لا بأس، وخصوصاً أن قرارات الاجتماع جيدة بمجملها بخصوص الجمع بين الخاص والعام، وتنظيم وتوحيد كفاح الأقلية ومشاركتها في الحراك العام.

      نحيي لجنة المتابعة، رغم تحركها المتأخر، على موقفها. لكن نأمل ألا يكون قرارها توفيقياً وشكلياً من أجل الإجماع فقط وفي سبيل البروتوكول. وإنما أن يكون صادراً عن قناعة عميقة تقود كل هيئاتنا التمثيلية وأحزابنا إلى ممارسته وتنفيذه...فوراً، وبشكل جمعي وحدوي. ونأمل أن يذوّت جميع متخذيه، بالممارسة لا بالكلام فقط، بطلان وضرر الدعوات لانعزالية العرب. فكما أنه ليس بالإمكان إحداث أي تغيير نحو الأفضل في البلاد بدون مشاركة أهلها العرب، كذلك ليس بإمكان الأقلية العربية لوحدها إحداث هذا التغيير. كذلك نأمل أن تعمل مركبات لجنة المتابعة على نشر أجواء جديدة تعيد للجماهير وعناصرها الشابة والفئات المتوسطة الثقة بالقيادة التمثيلية والحزبية وتخرجها من يأسها وعدم حراكها وعطب فعاليتها.
                                         الدجاج...السياسي

لماذا، وأين يكمن أساس  الترهل والتقاعس وعدم الفعالية والمشاركة الجماهيرية؟

فتش عن القيادات المركبة للجنة المتابعة من أحزاب وغيرها (ولا أتهمها كلها، ولا في  كل ما تتخذه من قرارات) وعن مواقفها وسلوكياتها وأخلاقيات عملها السياسي، وكذلك عن عجزها عن المبادرة. وعدم استعدادها لرفع مستوى وتنويع وتجديد أدوات وطرق النضال، والاستعداد لتوفير ولدفع مستلزماته.

      قيادات تنخرها فتنخرنا، وتسمّم أجواءها فتسممنا، وتخرس فعاليتها فتخرسنا... أوبئة قبلية الأحزاب وحزبية القبائل، وفئويتها والصراعات فيما بينها وحتى داخل صفوف كل منها. قيادات لا تنطق إلا متأخرة، وإن نطقت تنطق تأتأة. وإن قررت، لا تنفذ ما تقرره. قيادات تعيش رهينة أسيرة في أقفاص مفاهيم وأدوات الأمس، لا تتجدد ولا تجدد.

      هكذا لا يقودون شعباً، بل يحيلونه إلى فدرالية قبلية وحزبية وجهوية وطائفية. هذا رغم أنه لا بد لنا إلا أن نتصرف كشعب حتى نحقق حقوقنا كشعب. فالشعب إما أن يكون شعباً, أو لا يكون . وهو لن يكون إذا ما قاده " الدجاج السياسي".

ـ ماذا تعني بالدجاج السياسي؟

ـ الدجاج طير جبان، ولا يمتاز بالذكاء. كثير النقنقة، قليل الفعل. يسير بطيئاً، وقاصر عن التحليق بعيداً لإستكشاف آفاق جديدة. يغط نائماً ساكناً في بيته ــ قفصه، سجنه. وإن خرج فلا يتعدى مزرعة  قريبة و ضيقة يأكل منها ويبرز عليها. ويعود مهرولاً إلى القفص ولا يبرحه مع أن أبوابه مفتوحة، إذ تسيطر عليه العادة إلى حد استمراء القفص. ويطيب له أن يأكل مما يُلقى له أمامه وتحت بطنه. يدلي برأسه إلى هناك لالتقاط فتات الطعام... فلا ترى عيناه أبعد من قفاه. وكثيراً ما تقع الواقعة بين الدجاجات الأخوات، فتشحذ مناقيرها وتنفش ريشها ويعلو زعيق مكاكاتها في حرب ضروس فيما بينها، كحرب داحس والغبراء، لا على جمل أو فرس وإنما لالتقاط... دودة.

ـ كفانا الله شر الدجاج السياسي.

ـ وجنبّنا خطر دعوى بالتشهير والمس بالسمعة يرفعها ضدنا محام باسم جمعية الرفق بالحيوان، لأننا شبّهنا الدجاج  ببعض القادة السياسيين!

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : أدارة الموقع لا تنشر اي تعقيب فيه تجاوز لقانون القذف والتشهير, وتقع المسؤلية على كاتب التعقيب
Copyright © almadar.co.il 2010-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق